إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣ - الغائلة الثانية
موقع القبول،و ظهر أثر الصلاح،فينبغي أن يفرج به،و يشكر اللّه تعالى على كفايته هذا المهم كمن وجب عليه أن يعالج مريضا ضائعا،فقام بمعالجته غيره فإنه يعظم به فرحه فإن كان يصادف في قلبه ترجيحا لكلامه على كلام غيره فهو مغرور الثاني:أن يزعم أنى أقصد الشفاعة لمسلم في دفع ظلامة .و هذا أيضا مظنة الغرور و معياره ما تقدم ذكره و إذ ظهر طريق الدخول عليهم،
فلنرسم في الأحوال العارضة في مخالطة السلاطين
و مباشرة أموالهم مسائل
مسألة:
إذا بعث إليك السلطان مالا لتفرقه على الفقراء ،فإن كان له مالك معين فلا يحل أخذه و إن لم يكن،بل كان حكمه أنه يجب التصدق به على المساكين كما سبق،فلك أن تأخذه و تتولى التفرقة،و لا تعصى بأخذه.و لكن من العلماء من امتنع عنه.فعند هذا ينظر في الأولى فنقول:الأولى أن تأخذه ان أمنت ثلاث غوائل
الغائلة الأولى:
أن يظن السلطان بسبب أخذك أن ماله طيب.و لو لا أنه طيب لما كنت تمد يدك إليه،و لا تدخله في ضمانك.فإن كان كذلك فلا تأخذه،فإن ذلك محذور .و لا يفي الخير في مباشرتك التفرقة بما يحصل لك من الجراءة على كسب الحرام
الغائلة الثانية:
أن ينظر إليك غيرك من العلماء و الجهال،فيعتقدون أنّه حلال،فيقتدون بك في الأخذ،و يستدلون به على جوازه،ثم لا يفرقون.فهذا أعظم من الأول.فإن جماعة يستدلون بأخذ الشافعي رضى اللّه عنه على جواز الأخذ،و يغفلون عن تفرقته و أخذه على نية التفرقة.فالمقتدى و المثشبه به ينبغي أن يحترز عن هذا غاية الاحتراز،فإنه يكون فعله سبب ضلال خلق كثير و قد حكى وهب بن منبه،أن رجلا أتى به إلى ملك بمشهد من الناس ليكرهه على أكل لحم الخنزير،فلم يأكل.فقدم إليه لحم غنم و أكره بالسيف،فلم يأكل.فقيل له في ذلك،فقال إن الناس قد اعتقدوا أنى طولبت بأكل لحم الخنزير،فإذا خرجت سالما و قد أكلت،فلا يعلمون ما ذا أكلت،فيضلون