إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠ - و أما المستند الثالث
و لا تخرج إلا من دار الضرب،و هي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم،يمنعون الناس منها،و يلزمون الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة،ثم يأخذونها منهم غصبا.فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد،و لا ظلم وقت النيل،و لا وقت الضرب في دار الضرب،و لا بعده في معاملات الصرف و الربا،بعيد نادر،أو محال.
فلا يبقى إذا حلال إلا الصيد،و الحشيش في الصحاري الموات و المفاوز،و الحطب المباح.
ثم من يحصله لا يقدر على أكله،فيفتقر إلى أن يشترى به الحبوب و الحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات و التوالد،فيكون قد بذل حلالا في مقابلة حرام.فهذا هو أشد الطرق تخيلا و الجواب:أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال،فخرج عن النمط الذي نحن فيه،و التحق بما ذكرناه من قبل،و هو تعارض الأصل و الغالب .إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات،و جواز التراضي عليها.و قد عارضة سبب غالب يخرجه عن الصلاح له فيضاهى هذا محل القولين للشافعي رضى اللّه عنه في حكم النجاسات.و الصحيح عندنا،أنه تجوز الصلاة في الشوارع،إذا لم يجد فيها نجاسة.فان طين الشوارع طاهر.
و أن الوضوء من أواني المشركين جائز،و أن الصلاة في المقابر المنبوشة جائزة.فنثبت هذا أولا،ثم نقيس ما نحن فيه عليه:و يدل على ذلك توضؤ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من مزادة مشركة،و توضؤ عمر رضى اللّه عنه من جرة نصرانية،مع أن مشربهم الخمر و مطعمهم الخنزير،و لا يحترزون عما نجسه شرعنا.فكيف تسلم أوانيهم من أيديهم.بل نقول نعلم قطعا أنهم كانوا يلبسون الفراء المدبوغة و الثياب المصبوغة و المقصورة.و من تأمل أحوال الدباغين و القصارين و الصباغين علم أن الغالب عليهم النجاسة،و الطهارة في تلك الثياب محال أو نادر.بل نقول:نعلم أنهم كانوا يأكلون خبز البر و الشعير و لا يغسلونه،مع أنه يداس بالبقر و الحيوانات،و هي تبول عليه و تروث،و قلما يخلص منها.و كانوا يركبون الدواب و هي تعرق،و ما كانوا يغسلون ظهورها،مع كثرة تمرغها في النجاسات.بل كل دابة تخرج من بطن أمها و عليها رطوبات نجسة،قد تزيلها الأمطار و قد لا تزيلها،و ما كان يحترز عنها.و كانوا يمشون خفاة في الطرق و بالنعال،و يصلون معها ،و يجلسون على التراب،و يمشون