إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨ - النظر الثاني
فإذا لا يجوز أن يؤخذ منهم في هذا الزمان ما يعلم أنه حلال،لإفضائه إلى هذه المعاني.
فكيف ما يعلم أنه حرام أو يشك فيه؟فمن استجرأ على أموالهم،و شبه نفسه بالصحابة و التابعين،فقد قاس الملائكة بالحدادين.ففي أخذ الأموال منهم حاجة إلى مخالطتهم و مراعاتهم،و خدمة عمالهم،و احتمال الذل منهم،و الثناء عليهم،و التردد إلى أبوابهم و كل ذلك معصية على ما سنبين في الباب الذي يلي هذا.فإذا قد تبين مما تقدم مداخل أموالهم،و ما يحل منها و ما لا يحل.فلو تصور أن يأخذ الإنسان منها ما يحل بقدر استحقاقه و هو جالس في بيته يساق إليه ،لا يحتاج فيه إلى تفقد عامل و خدمته،و لا إلى الثناء عليهم و تزكيتهم،و لا إلى مساعدتهم.فلا يحرم الأخذ و لكن يكره لمعان سننبه عليها في الباب الذي يلي هذا
النظر الثاني
من هذا الباب في قدر المأخوذ و صفة الآخذ
و لنفرض المال من أموال المصالح،كأربعة أخماس الفيء،و المواريث ،فإن ما عداه مما قد تعين مستحقه إن كان من وقف أو صدقة،أو خمس فيء أو خمس غنيمة،و ما كان من ملك السلطان مما أحياه أو اشتراه،فله أن يعطى ما شاء لمن شاء.و إنما النظر في الأموال الضائعة و مال المصالح.فلا يجوز صرفه إلا إلى من فيه مصلحة عامة،أو هو محتاج إليه عاجز عن الكسب.فأما الغنى الذي لا مصلحة فيه،فلا يجوز صرف مال بيت المال إليه.هذا هو الصحيح:و إن كان العلماء قد اختلفوا فيه .و في كلام عمر رضى اللّه عنه ما يدل على أن لكل مسلم حقا في بيت المال،لكونه مسلما مكثرا جمع الإسلام.و لكنه مع هذا ما كان يقسم المال على المسلمين كافة،بل على مخصوصين بصفات فإذا ثبت هذا،فكل من يتولى أمرا يقوم به،تتعدى مصلحته إلى المسلمين،و لو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه،فله في بيت المال حق الكفاية.و يدخل فيه العلماء كلهم،أعنى العلوم التي تتعلق بمصالح الدين،من علم الفقه و الحديث،و التفسير و القراءة ،حتى يدخل فيه المعلمون و المؤذنون و طلبة هذه العلوم أيضا يدخلون فيه،فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب.و يدخل فيه العمال،و هم الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم،و هم الأجناد المرتزقة،الذين يحرسون المملكة بالسيوف عن أهل العداوة و أهل البغي و أعداء الإسلام.و يدخل فيه الكتاب