إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٧ - الدرجة الرابعة أن لا يتحقق أنه حلال
فإن ما يأخذه من الحلال أكثر.فهذا مما قد جوزه جماعة من العلماء ،تعويلا على الأكثر.و نحن إنما توقفنا فيه في حق آحاد الناس.و مال السلطان أشبه بالخروج عن الحصر فلا يبعد أن يؤدى اجتهاد مجتهد إلى جواز أخذ ما لم يعلم أنه حرام،اعتمادا على الأغلب.
و إنما منعنا إذا كان الأكثر حراما فإذا فهمت هذه الدرجات،تحققت أن إدرارات الظلمة في زماننا لا تجرى مجرى ذلك و أنها تفارقه من وجهين قاطعين.
أحدهما:أن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها،و كيف لا.و الحلال هو الصدقات و الفيء و الغنيمة،و لا وجود لها.و ليس يدخل منها شيء في يد السلطان.و لم يبق إلا الجزية،و أنها تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به،فإنهم يجاوزون حدود الشرع في المأخوذ و المأخوذ منه،و الوفاء له بالشرط ،ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين،و من المصادرات،و الرشا،و صنوف الظلم،لم يبلغ عشر معشار عشيره و الوجه الثاني:أن الظلمة في العصر الأول،لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين،كانوا مستشعرين من ظلمهم،و متشوفين إلى استمالة قلوب الصحابة و التابعين،و حريصين على قبولهم عطاياهم و جوائزهم،و كانوا يبعثون إليهم من غير سؤال و إذلال،بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم و يفرحون به.و كانوا يأخذون منهم و يفرقون ،و لا يطيعون السلاطين في أغراضهم،و لا يغشون مجالسهم،و لا يكثرون جمعهم،و لا يحبون بقاءهم،بل يدعون عليهم،و يطلقون اللسان فيهم،و ينكرون المنكرات منهم عليهم.فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم،و لم يكن بأخذهم بأس.فأما الآنى،فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم،و التكثر بهم،الاستعانة بهم على أغراضهم و التجمل بغشيان مجالسهم،و تكليفهم المواظبة على الدعاء و الثناء،و التزكية و الإطراء في حضورهم و مغيبهم.فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولا،و بالتردد في الخدمة ثانيا،و بالثناء و الدعاء ثالثا،و بالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعا،و بتكثير جمعه في مجلسه و موكبه خامسا،و بإظهار الحب و الموالاة و المناصرة له على أعدائه سادسا،و بالستر على ظلمه و مقابحه و مساوى أعماله سابعا ،لم ينعم عليه بدرهم واحد،و لو كان في فضل الشافعي رحمه اللّه مثلا