إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٦ - الخامس أن يطلب التقرب إلى قلبه و تحصيل محبته
في الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير،فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة،و اختلفوا في كونه حراما،و المعنى فيه متعارضا،فإنه دائر بين الهدية المحضة،و بين الرشوة المبذولة في مقابلة جاه محض في غرض معين.و إذا تعارضت المشابهة القياسية،و عضدت الأخبار و الآثار أحدهما،تعين الميل إليه .و قد دلت الأخبار على تشديد الأمر في ذلك.
قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«يأتي على النّاس زمان يستحلّ فيه السّحت بالهديّة و القتل بالموعظة يقتل البريء لتوعظ به العامّة» و سئل ابن مسعود رضى اللّه عنه عن السحت،فقال يقضى الرجل الحاجة،فتهدى له الهدية و لعله أراد قضاء الحاجة بكلمة لا تعب فيها،أو تبرع بها لا على قصد أجرة،فلا يجوز أن يأخذ بعده شيئا في معرض العوض شفع مسروق شفاعة،فأهدى إليه المشفوع له جارية،فغضب وردها،و قال لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك و لا أتكلم فيما بقي منها و سئل طاوس عن هدايا السلطان فقال سحت .و أخذ عمر رضي اللّه عنه ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال،و قال إنما أعطيتما لمكانكما منى،إذ علم أنهما أعطيا لأجل جاه الولاية .و أهدت امرأة أبي عبيدة بن الجراح إلى خاتون ملكة الروم خلوقا، فكافأتها بجوهر،فأخذه عمر رضي اللّه عنه فباعه،و أعطاها ثمن خلوقها،ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين.و قال جابر و أبو هريرة رضى اللّه عنهما.هدايا الملوك غلول .و لما رد عمر بن عبد العزيز الهدية،قيل له كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]يقبل الهدية !فقال كان ذلك له هدية.و هو لنا رشوة.أي كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ،و نحن إنما نعطى للولاية و أعظم من ذلك كله،ما روى أبو حميد الساعدي،أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٣] بعث واليا على صدقات الأزد ،فلما جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أمسك بعض ما معه