إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٢ - القسم الثالث أن يحبه لا لذاته،بل لغيره
بالمواساة في المال،فأحيه من حيث إن في طبعه طلب الراحة في الدنيا و السعادة في الآخرة فهو وسيلة إليهما،فهو محب في اللّه و ليس من شرط حب اللّه أن لا يحب في العاجل حظا البتة،إذ الدعاء أمر به الأنبياء صلوات اللّه عليهم و سلامه،فيه جمع بين الدنيا و الآخرة و من ذلك قولهم،ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة.و قال عيسى عليه السلام في دعائه اللهم لا تشمت بي عدوى و لا تسؤ بي صديقى و لا تجعل مصيبتى لديني و لا تجعل الدنيا أكبر همى.فدفع شماتة الأعداء من حظوظ الدنيا.و لم يقل و لا تجعل الدنيا أصلا من همى بل قال لا تجعلها أكبر همى.و قال نبينا صلّى اللّه عليه و سلم في دعائه[١]اللّٰهمّ إنّى أسألك رحمة أنال بها شرف كرامتك في الدّنيا و الآخرة»و قال اللّهمّ[٢]عافني من بلاء الدّنيا و بلاء الآخرة و على الجملة فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب اللّه تعالى،فحب السلامة و الصحة و الكفاية و الكرامة في الدنيا،كيف يكون مناقضا لحب اللّه!و الدنيا و الآخرة عبارة عن حالتين،إحداهما أقرب من الأخرى.فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا،و لا يحبها اليوم!و إنما يحبها غدا،لأن الغد سيصير حالا راهنة.فالحالة الراهنة لا بد أن تكون مطلوبة أيضا.إلا أن الحظوظ العاجلة منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة و يمنع منها،و هي التي احترز عنها الأنبياء و الأولياء،و أمروا بالاحتراز عنها،و إلى ما لا يضاد،و هي التي لم يمتنعوا منها،كالنكاح الصحيح،و أكل الحلال،و غير ذلك.فما يضاد حظوظ الآخرة فحق العاقل أن يكرهه و لا يحبه،أعنى أن يكرهه بعقله لا بطبعه،كما يكره التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو حزت رقبته،لا بمعنى أن الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه،و لا يستلذه لو أكله،فإن ذلك محال و لكن على معنى أنه يزجره عقله عن الإقدام عليه، و تحصل فيه كراهة الضرر المتعلق به و المقصود من هذا أنه لو أحب أستاذه لأنه يواسيه و يعلمه،أو تلميذه لأنه يتعلم منه و يخدمه و أحدهما حظ عاجل و الآخر آجل،لكان في زمرة المتحابين في اللّه.و لكن بشرط