إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥١ - القسم الثالث أن يحبه لا لذاته،بل لغيره
عيسى صلّى اللّه عليه و سلم،من علم و عمل و علّم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء.و لا يتم التعليم إلا بمتعلم.فهو إذا آلة في تحصيل هذا الكمال.فإن أحبه لأنه آلة له،إذ جعل صدره مزرعة لحرثه الذي هو سبب ترقيه إلى رتبة التعظيم في ملكوت السماء،فهو محب في اللّه.بل الذي يتصدق بأمواله للّٰه،و يجمع الضيفان،و يهيء لهم الأطعمة اللذيذة الغريبة تقربا إلى اللّه،فأحب طباخا لحسن صنعته في الطبيخ،فهو من جملة المحبين في اللّه.و كذا لو أحب من يتولى له إيصال الصدقة إلى المستحقين،فقد أحبه في اللّه بل نزيد على هذا و نقول،إذا أحب من يخدمه بنفسه في غسل ثيابه،و كنس بيته و طبخ طعامه،و يفرغه بذلك للعلم أو العمل،و مقصوده من استخدامه في هذه الاعمال الفراغ للعبادة،فهو محب في اللّه بل نزيد عليه و نقول،إذا أحب من ينفق عليه من ماله،و يواسيه بكسوته و طعامه و مسكنه و جميع أغراضه التي يقصدها في دنياه،و مقصوده من جملة ذلك الفراغ للعلم و العمل المقرب إلى اللّه،فهو محب في اللّه.فقد كان جماعة من السلف تكفل بكفايتهم جماعة من أولى الثروة،و كان المواسى و المواسى جميعا من المتحابين في اللّه بل نزيد عليه و نقول من نكح امرأة صالحة،ليتحصن بها عن وسواس الشيطان و يصون بها دينه،أو ليولد منها له ولد صالح يدعو له و أحب زوجته لأنها آلة إلى هذه المقاصد الدينية فهو محب في اللّه.و لذلك وردت الاخبار[١]بوفور الأجر و الثواب على الإنفاق على العيال حتى اللقمة يضعها الرجل في في امرأته بل نقول كل من اشتهر بحب اللّه و حب رضاه،و حب لقائه في الدار الآخرة فإذا أحب غيره كان محبا في اللّه.لأنه لا يتصور أن يحب شيئا الا لمناسبته لما هو محبوب عنده و هو رضا اللّه عز و جل بل أزيد على هذا و أقول،إذا اجتمع في قلبه محبتان محبة اللّه و محبة الدنيا،و اجتمع في شخص واحد المعنيان جميعا،حتى صلح لأن يتوسل به إلى اللّه و إلى الدنيا،فإذا أحبه لصلاحه للأمرين،فهو من المحبين في اللّه.كمن يحب أستاذه الذي يعلمه الدين و يكفيه مهمات الدنيا