إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦١ - الدرجة العليا التي تشتد الكراهة فيها
هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [١]و بالجملة لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن .فإنه إذا جاوز ما رسم له،و تصرف بذهنه من غير سماع،كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.و قد روى عن سعد بن أبي وقاص رضى اللّه عنه،أنه أحرق كرمه خوفا من أن يباع العنب ممن يتخذه خمرا و هذا لا أعرف له وجها،إن لم يعرف هو سببا خاصا يوجب الإحراق ،إذ ما أحرق كرمه و نخله من كان أرفع قدرا منه من الصحابة.و لو جاز هذا لجاز قطع الذكر خيفة من الزنا و قطع اللسان خيفة من الكذب،إلى غير ذلك من الإتلافات
و أما المقدمات.فلتطرق المعصية إليها ثلاث درجات:
الدرجة العليا التي تشتد الكراهة فيها.
ما بقي أثره في المتناول كالأكل من شاة علفت بعلف مغصوب،أو رعت في مرعى حرام.فإن ذلك معصية،و قد كان سببا لبقائها،و ربما يكون الباقي من دمها و لحمها و أجزائها من ذلك العلف.و هذا الورع مهم و إن لم يكن واجبا و نقل ذلك عن جماعة من السلف.و كان لأبي عبد اللّه الطوسي التروغندى شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء،و يرعاها و هو يصلى،و كان يأكل من لبنها،فغفل عنها ساعة فتناولت من ورق كرم على طرف بستان،فتركها في البستان و لم يستحل أخذها.
فإن قيل:فقد روى عن عبد اللّه بن عمر،و عبيد اللّه،أنهما اشتريا إبلا،فبعثاها إلى الحمى ، فرعته إبلهما حتى سمنت،فقال عمر رضى اللّه عنه،أ رعيتماها في الحمى؟فقالا نعم.فشاطرهما فهذا يدل على أنه رأى اللحم الحاصل من العلف لصاحب العلف،فليوجب هذا تحريما، قلنا:ليس كذلك.فإن العلف يفسد بالأكل،و اللحم خلق جديد،و ليس عين العلف.فلا شركة لصاحب العلف شرعا .و لكن عمر غرمهما قيمة الكلأ،و رأى ذلك مثل شطر الإبل فأخذ الشطر بالاجتهاد،كما شاطر سعد بن أبي وقاص ماله لما أن قدم من الكوفة و كذلك شاطر أبا هريرة رضى اللّه عنه،إذ رأى أن كل ذلك لا يستحقه العامل،و رأى شطر ذلك كافية على حق عملهم،و قدره بالشطر اجتهادا
[١] الكهف:١٠٤