إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٦ - القسم الثالث أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر
في الدنيا و كذلك كل ما سرق.و كذلك كان يعرف[١]أن في الناس من يربى في الدراهم و الدنانير،و ما ترك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و لا الناس الدراهم و الدنانير بالكلية.و بالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي،و هو محال.و إذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد،إلا إذا وقع بين جماعة محصورين.بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين.إذ لم ينقل ذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،و لا عن أحد من الصحابة.و لا يتصور الوفاء به في ملة من الملل،و لا في عصر من الأعصار فإن قلت:فكل عدد محصور في علم اللّه،فما حد المحصور؟و لو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضا إن تمكن منه ،فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن،و إنما يضبط بالتقريب فنقول:كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عددهم بمجرد النظر،كالألف و الألفين،فهو غير محصور.و ما سهل،كالعشرة و العشرين،فهو محصور.و بين الطرفين أوساط متشابهة،تلحق بأحد الطرفين بالظن.و ما وقع الشك فيه استفتى فيه القلب ، فإن الإثم حزاز القلوب.و في مثل هذا المقام قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لوابصة[٢]«استفت قلبك و إن أفتوك و أفتوك و أفتوك»و كذا الأقسام الأربعة التي ذكرناها في المثار الأول يقع فيها أطراف متقابلة،واضحة في النفي و الإثبات،و أوساط متشابهة.فالمفتى يفتي بالظن و على المستفتى أن يستفتى قلبه،فإن حاك في صدره شيء فهو الآثم بينه و بين اللّه،فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي،فإنه يفتي بالظاهر،و اللّه يتولى السرائر
القسم الثالث:أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر.
كحكم الأموال في زماننا هذا.فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور إلى غير المحصور كنسبة المحصور إلى المحصور،و قد حكمنا ثمّ بالتحريم،فلنحكم هنا به.و الذي نختاره خلاف ذلك.و هو أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه،احتمل أنه حرام و أنه حلال