إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩ - الأول حسن النية و العقيدة في ابتداء التجارة
و لذلك قيل إذا أثنى على الرجل جيرانه في الحضر،و أصحابه في السفر،و معاملوه في الأسواق فلا تشكّوا في صلاحه .و شهد عند عمر رضى اللّه عند شاهد،فقال ائتني بمن يعرفك فأتاه برجل فأثنى عليه خيرا.فقال له عمر أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله و مخرجه؟قال لا.
فقال كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟فقال لا.قال فعاملته بالدينار و الدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟قال لا.قال أظنك رأيته قائما في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طور او يرفعه أخرى؟قال نعم فقال اذهب فلست تعرفه.و قال للرجل اذهب فأتني بمن يعرفك
الباب الخامس
(في شفقة التاجر على دينه فيما يخصه و يعم آخرته) و لا ينبغي للتاجر أن يشغله معاشه عن معاده.فيكون عمره ضائعا و صفقته خاسرة ، و ما يفوته من الربح في الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا.فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة.بل العاقل ينبغي أن يشفق على نفسه.و شفقته على نفسه بحفظ رأس ماله.و رأس ماله دينه و تجارته فيه.قال بعض السلف،أولى الأشياء بالعاقل أحوجه إليه في العاجل، و أحوج شيء إليه في العاجل أحمده عاقبة في الآجل.و قال معاذ بن جبل رضى اللّه عنه في وصيته:انه لا بد لك من نصيبك في الدنيا،و أنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج،فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه،فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتنظمه .قال اللّه تعالى وَ لاٰ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيٰا [١]أي لا تنس في الدنيا نصيبك منها للآخرة،فإنها مزرعة الآخرة،و فيها تكتسب الحسنات .و انما
تتم شفقة التاجر على دينه بمراعاة سبعة أمور:
الأول حسن النية و العقيدة في ابتداء التجارة.
فلينو بها الاستعفاف عن السؤال،و كف الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم،و استعانة بما يكسبه على الدين،و قياما بكفاية العيال،ليكون من جملة المجاهدين به و لينو النصح للمسلمين،و أن يحب لسائر الخلق ما يحب لنفسه
[١] القصص:٧٧