إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦١ - الثالث المبتدع العامي
الثاني المبتدع الذي يدعو إلى بدعته.
فإن كانت البدعة بحيث يكفر بها،فأمره أشد من الذمي،لأنه لا يقر بجزية،و لا يسامح بعقد ذمة.و إن كان ممن لا يكفر به،فأمره بينه و بين اللّه أخف من أمر الكافر لا محالة.و لكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر،لأن شر الكافر غير متعد،فإن المسلمين اعتقدوا كفره،فلا يلتفتون إلى قوله إذ لا يدعي لنفسه الإسلام و اعتقاد الحق.أما المبتدع الذي يدعو إلى البدعة،و يزعم أن ما يدعو إليه حق،فهو سبب لغواية الخلق،فشره متعد.فالاستحباب في إظهار بغضه و معاداته،و الانقطاع عنه و تحقيره،و التشنيع عليه ببدعته،و تنفير الناس عنه أشد.و إن سلم في خلوة فلا بأس برد جوابه.و إن علمت أن الإعراض عنه،و السكوت عن جوابه،يقبح في نفسه بدعته،و يؤثر في زجره،فترك الجواب أولى.لأن جواب السلام،و إن كان واجبا،فيسقط بأدنى غرض فيه مصلحة حتى يسقط بكون الإنسان في الحمام أو في قضاء حاجته و غرض الزجر أهم من هذه الأغراض و إن كان في ملأ فترك الجواب أولى و تنفيرا للناس عنه و تقبيحا لبدعته في أعينهم و كذلك الأولى كف الإحسان إليه،و الإعانة له،لا سيما فيما يظهر للخلق قال عليه السلام[١]«من انتهر صاحب بدعة ملأ اللّه قلبه أمنا و إيمانا و من أهان صاحب بدعة أمّنه اللّه يوم الفزع الأكبر و من ألان له و أكرمه أو لقيه ببشر فقد استخفّ بما أنزل اللّه على محمّد صلّى اللّه عليه و سلم»
الثالث:المبتدع العامي
،الذي لا يقدر على الدعوة،و لا يخاف الاقتداء به،فأمره أهون فالأولى أن لا يقابح بالتغليظ و الإهانة،بل يتلطف به في النصح،فإن قلوب العوام سريعة التقلب.فإن لم ينفع النصح،و كان في الإعراض عنه تقبيح لبدعته في عينه،تأكد الاستحباب في الإعراض.و إن علم أن ذلك لا يؤثر فيه،لجمود طبعه،و رسوخ عقده في قلبه، فالإعراض أولى.لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق،و عم فسادها و أما العاصي بفعله و عمله لا باعتقاده،فلا يخلو إما أن يكون بحيث يتأذى به غيره، كالظلم و الغصب.و شهادة الزور و الغيبة،و التضريب بين الناس،و المشي بالنميمة و أمثالها أو كان مما لا يقتصر عليه و يؤذى غيره.و ذلك ينقسم إلى ما يدعو غيره إلى الفساد،كصاحب