إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - النظر الأول
النظر الأول
في كيفية التمييز و الإخراج
اعلم أن كل من تاب و في يده ما هو حرام معلوم العين،من غصب أو وديعة أو غيره فأمره سهل.فعليه تمييز الحرام.و إن كان ملتبسا مختلطا،فلا يخلو إما أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال،كالحبوب و النقود و الأدهان ،و إما أن يكون في أعيان متمايزة كالعبيد و الدور و الثياب.فإن كان في المتماثلات،أو كان شائعا في المال كله،كمن اكتسب المال بتجارة يعلم أنه قد كذب في بعضها في المرائحة،و صدق في بعضها.أو من غصب دهنا و خلطه بدهن نفسه،أو فعل ذلك في الحبوب أو الدراهم و الدنانير،فلا يخلو ذلك إما أن يكون معلوم القدر أو مجهولا.فإن كان معلوم القدر،مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام،فعليه تمييز النصف.و إن أشكل،فله طريقان:أحدهما الأخذ باليقين،و الآخر الأخذ بغالب الظن.و كلاهما قد قال به العلماء في اشتباه ركعات الصلاة .و نحن لا نجوز في الصلاة إلا الأخذ باليقين.فإن الأصل اشتغال الذمة فيستصحب،و لا يغير إلا بعلامة قوية،و ليس في أعداد الركعات علامات يوثق بها.و أما هاهنا فلا يمكن أن يقال الأصل أن ما في يده حرام.بل هو مشكل.فيجوز له الأخذ بغالب الظن اجتهادا.و لكن الورع في الأخذ باليقين.فإن أراد الورع،فطريق التحري و الاجتهاد أن لا يستبقى إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال.و إن أراد الأخذ بالظن،فطريقه مثلا أن يكون في يده مال تجارة فسد بعضها،فيتيقن أن النصف حلال،و أن الثلث مثلا حرام،و يبقى سدس يشك فيه،فيحكم فيه بغالب الظن.و هكذا طريق التحري في كل مال.و هو أن يقتطع القدر المتيقن من الجانبين في الحل و الحرمة،و القدر المتردد فيه إن غلب على ظنه التحريم أخرجه ، و إن غلب الحل جاز له الإمساك،و الورع إخراجه.و إن شك فيه جاز الإمساك،و الورع إخراجه.و هذا الورع آكد لأنّه صار مشكوكا فيه.و جاز إمساكه اعتمادا على أنه في يده فيكون الحل أغلب عليه.و قد صار ضعيفا بعد يقين اختلاط الحرام.و يحتمل أن يقال الأصل التحريم،و لا يأخذ إلا ما يغلب على ظنه أنه حلال،و ليس أحد الجانبين بأولى من الآخر، و ليس يتبين لي في الحال ترجيح،و هو من المشكلات