إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤١ - القسم الثالث أن يكون الأصل التحريم
و وزان مسألة الطائر أن يتحقق نجاسة أحد الإناءين،و يشتبه عينه،فلا يجوز أن يستعمل أحدهما بغير اجتهاد ،لأنه قابل يقين النجاسة بيقين الطهارة،فيبطل الاستصحاب.فكذلك هاهنا قد وقع الطلاق على إحدى الزوجتين قطعا،و التبس عين المطلقة بغير المطلقة فنقول:اختلف أصحاب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه،فقال قوم يستصحب بغير اجتهاد.و قال قوم بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب،و لا يغنى الاجتهاد.و قال المقتصدون يجتهد.و هو الصحيح .و لكن وزانه أن تكون له زوجتان فيقول إن كان غرابا فزينب طالق،و إن لم يكن فعمرة طالق.فلا جرم لا يجوز له غشيانهما بالاستصحاب،و لا يجوز الاجتهاد،إذ لا علامة .و نحر مهما عليه،لأنه لو وطئهما،كان مقتحما للحرام قطعا،و إن وطئ إحداهما و قال أقتصر على هذه كان متحكما بتعيينها من غير ترجيح ففي هذا افترق حكم شخص واحد أو شخصين،لأن التحريم على شخص واحد متحقق بخلاف الشخصين،إذ كل واحد شك في التحريم في حق نفسه فإن قيل:فلو كان الإناءان لشخصين،فينبغي أن يستغنى عن الاجتهاد و يتوضأ كل واحد بإنائه،لأنه تيقن طهارته،و قد شك الآن فيه فنقول:هذا محتمل في الفقه.و الأرجح في ظنى المنع.و أن تعدد الشخصين هاهنا كاتحاده، لأن صحة الوضوء لا تستدعى ملكا.بل وضوء الإنسان بماء غيره في رفع الحدث كوضوئه بماء نفسه فلا يتبين لاختلاف الملك و اتحاده أثر،بخلاف الوطء لزوجة الغير فإنه لا يحل.و لأن للعلامات مدخلا في النجاسات،و الاجتهاد فيه ممكن ،بخلاف الطلاق فوجب تقوية الاستصحاب بعلامة،ليدفع بها قوة يقين النجاسة المقابلة ليقين الطهارة.و أبواب الاستصحاب و الترجيحات من غوامض الفقه و دقائقه.و قد استقصيناه في كتب الفقه،و لسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها .
القسم الثالث:أن يكون الأصل التحريم
،و لكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب.
فهو مشكوك فيه.و الغالب حله.فهذا ينظر فيه،فإن استند غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعا،فالذي نختار فيه أنه يحل،و اجتنابه من الورع مثاله:أن يرمى إلى صيد فيغيب،ثم يدركه ميتا،و ليس عليه أثر سوى سهمه.و لكن يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر.فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى،التحق