إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٧ - الحلال المطلق
من المطر،فقال إنما هي من أمر الآخرة،و كره جلوسه فيها.و أطفأ بعضهم سراجا أسرجه غلامه من قوم يكره مالهم.و امتنع من تسجير تنور للخبز و قد بقي فيه جمر من حطب مكروه.و امتنع بعضهم من أن يحكم شسع نعله في مشعل السلطان .فهذه دقائق الورع عند سالكي طريق الآخرة و التحقيق فيه أن الورع له أول،و هو الامتناع عما حرمته الفتوى،و هو ورع العدول و له غاية،و هو ورع الصديقين،و ذلك هو الامتناع من كل ما ليس للّٰه،مما أخذ بشهوة، أو توصل إليه بمكروه،أو اتصل بسببه مكروه.و بينهما درجات في الاحتياط .فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة،و أسرع جوازا على الصراط،و أبعد عن أن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته.و تتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع.كما تتفاوت دركات النار في حق الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث.و إذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيار،فإن شئت فاستكثر من الاحتياط،و إن شئت فرخص ،فلنفسك تحتاط،و على نفسك ترخص و السلام
الباب الثاني
(في مراتب الشبهات و مثاراتها و تمييزها عن الحلال و الحرام)
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]«الحلال بيّن و الحرام بيّن و بينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من النّاس.فمن اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لعرضه و دينه و من وقع في الشّبهات واقع الحرام كالرّاعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه»فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة.و المشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس،و هو الشبهة ،فلا بد من بيانها،و كشف الغطاء عنها،فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرفه القليل فنقول
الحلال المطلق.
هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه،و انحل عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية .و مثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر،قبل أن