إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٩ - مسألة
و لقد توقف العلماء في مسائل هي أوضح من هذه،إذ سئل أحمد بن حنبل رحمه اللّه عن رجل رمى صيدا،فوقع في ملك غيره،أ يكون الصيد للرامى أو لمالك الأرض؟فقال لا أدرى.فروجع فيه مرات،فقال لا أدرى.و كثيرا من ذلك حكيناه عن السلف في كتاب العلم.فليقطع المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور.
و قد سأل ابن المبارك صاحبه من البصرة،عن معاملته قوما يعاملون السلاطين،فقال إن لم يعاملوا سوى السلطان فلا تعاملهم،و إن عاملوا السلطان و غيره فعاملهم .و هذا يدل على المسامحة في الأقل،و يحتمل المسامحة في الأكثر أيضا.و بالجملة فلم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا يهجرون بالكلية معاملة القصاب و الخباز و التاجر،لتعاطيه عقدا واحدا فاسدا،أو لمعاملة السلطان مرة.و تقدير ذلك فيه بعد.و المسألة مشكلة في نفسها فإن قيل:فقد روى عن علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه،أنه رخص فيه،و قال خذ ما يعطيك السلطان،فإنما يعطيك من الحلال،و ما يأخذ من الحلال أكثر من الحرام .و سئل ابن مسعود رضى اللّه عنه في ذلك،فقال له السائل،إن لي جارا لا أعلمه إلا خبيثا،يدعونا أو نحتاج فنستسلفه.فقال إذا دعاك فأجبه،و إذا احتجت فاستسلفه،فإن لك المهنأ و عليه المأثم.و أفتى سلمان بمثل ذلك.و قد علل علىّ بالكثرة،و علل ابن مسعود رضى اللّه عنه بطريق الإشارة،بأن عليه المأثم لأنه يعرفه،و لك المهنأ أي أنت لا تعرفه.و روى أنه قال رجل لابن مسعود رضى اللّه عنه،إن لي جارا يأكل الربا فيدعونا إلى طعامه،أ فنأتيه؟ فقال نعم.و روى في ذلك عن ابن مسعود رضى اللّه عنه روايات كثيرة مختلفة،و أخذ الشافعي و مالك رضي اللّه عنهما جوائز الخلفاء و السلاطين،مع العلم بأنه قد خالط ما لهم الحرام قلنا:أما ما روى عن علىّ رضى اللّه عنه،فقد اشتهر من ورعه ما يدل على خلاف ذلك.
فإنه كان يمتنع من مال بيت المال حتى يبيع سيفه،و لا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل لا يجد غيره .و لست أنكر أن رخصته صريح في الجواز،و فعله محتمل للورع.
و لكنه لو صح فمال السلطان له حكم آخر.فإنه بحكم كثرته يكاد يلتحق بما لا يحضر.
و سيأتي بيان ذلك.و كذا فعل الشافعي و مالك رضى اللّه عنهما متعلق بمال السلطان،و سيأتي حكمه.و إنما كلامنا في آحاد الخلق،و أموالهم قريبة من الحصر