إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٦ - الأصل الخامس
و ينفق على هؤلاء و هؤلاء فأكل طعامه حلال أو حرام أو شبهة؟فقلت إن هذا يلتفت إلى سبعة أصول
الأصل الأول:
أن الطعام الذي يقدم إليهم في الغالب يشتريه بالمعاطاة.و الذي اخترناه صحة المعاطاة،لا سيما في الأطعمة و المستحقرات،فليس في هذا إلا شبهة الخلاف
الأصل الثاني:
أن ينظر أن الخادم هل يشتريه بعين المال الحرام أو في الذمة فإن اشتراه بعين المال الحرام فهو حرام.و إن لم يعرف فالغالب أنه يشترى في الذمة.و يجوز الأخذ بالغالب و لا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال بعيد،و هو شراؤه بعين مال حرام
الأصل الثالث:
أنه من أين يشتريه،فإن اشترى ممن أكثر ماله حرام لم يجز.و إن كان أقل ماله ففيه نظر قد سبق.و إذا لم يعرف جاز له الأخذ بأنه يشتريه ممن ماله حلال،أو ممن لا يدرى المشتري حاله بيقين كالمجهول.و قد سبق جواز الشراء من المجهول،لأن ذلك هو الغالب.فلا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال
الأصل الرابع:
أن يشتريه لنفسه أو للقوم.فإن المتولي و الخادم كالنائب.و له أن يشترى له و لنفسه.و لكن يكون ذلك بالنية أو صريح اللفظ و إذا كان الشراء يجرى بالمعاطاة فلا يجرى اللفظ .و الغالب أنه لا ينوى عند المعاطاة.و القصاب و الخباز و من يعامله يعول عليه،و يقصد البيع منه،لا ممن لا يحضرون،فيقع عن جهته،و يدخل في ملكه.و هذا الأصل ليس فيه تحريم و لا شبهة.و لكن يثبت أنهم يأكلون من ملك الخادم
الأصل الخامس:
أن الخادم يقدم الطعام إليهم،فلا يمكن أن يجعل ضيافة و هدية بغير عوض ،فإنه لا يرضى بذلك.و إنما يقدم اعتمادا على عوضه من الوقف.فهو معاوضة.
و لكن ليس بيع و لا إقراض.لأنه لو انتهض لمطالبتهم بالثمن استبعد ذلك.و قرينة الحال لا تدل عليه.فأشبه أصل ينزل عليه هذه الحالة الهبة بشرط الثواب.أعنى هدية لا لفظ فيها من شخص تقتضي قرينة حاله أنه يطمع في ثواب.و ذلك صحيح.و الثواب لازم و هاهنا ما طمع الخادم في أن يأخذ ثوابا فيما قدمه إلا حقهم من الوقف،ليقضي به دينه من الخباز و القصاب و البقال.فهذا ليس فيه شبهة.إذ لا يشترط لفظ في الهدية و لا في تقديم الطعام و إن كان مع انتظار الثواب .و لا مبالاة بقول من لا يصحح هدية في انتظار ثواب