إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٠ - الحالة الثالثة أن يعتزلهم
فقال سمعت من أمير المؤمنين على رضى اللّه عنه يقول:إن في جهنم حيات كالقلال،و عقارب كالبغال،تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته.ثم قام و هرب و عن سفيان الثوري رضى اللّه عنه قال:أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى،فقال لي ارفع إلينا حاجتك،فقلت له اتق اللّه فقد ملأت الأرض ظلما و جورا.قال فطأطأ رأسه ثم رفعه،فقال ارفع إلينا حاجتك،فقلت إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين و الأنصار و أبناؤهم يموتون جوعا،فاتق اللّه و أوصل إليهم حقوقهم فطأطأ رأسه ثم رفعه،فقال ارفع إلينا حاجتك،فقلت حج عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه،فقال لخازنه كم أنفقت؟قال بضعة عشر درهما،و أرى هاهنا أموالا لا تطيق الجمال حملها.و خرج .فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا ألزموا،و كانوا يغررون بأرواحهم للانتقام للّٰه من ظلمهم و دخل ابن أبي شميلة على عبد الملك بن مروان،فقال له تكلم.فقال له إن الناس لا ينجون في القيامة من غصصها و مراراتها،و معاينة الردى فيها،إلا من أرضى اللّه بسخط نفسه.
فبكى عبد الملك و قال:لأجعلنّ هذه الكلمة مثالا نصب عينى ما عشت و لما استعمل عثمان بن عفان رضى اللّه عنه عبد اللّه بن عامر،أتاه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،و أبطأ عنه أبو ذر،و كان له صديقا،فعاتبه،فقال أبو ذر،سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]يقول«إنّ الرّجل إذا ولى ولاية تباعد اللّه عنه» و دخل مالك بن دينار على أمير البصرة،فقال أيها الأمير،قرأت في بعض الكتب أن اللّه تعالى يقول:ما أحمق من سلطان،و ما أجهل ممن عصاني،و من أعز ممن اعتز بي أيها الراعي السوء،دفعت إليك غنما سمانا صحاحا،فأكلت اللحم،و لبست الصوف و تركتها عظاما تتقعقع.فقال له و إلى البصرة،أ تدري ما الذي يجرئك علينا و يجنبنا عنك؟ قال لا،قال قلة الطمع فينا،و ترك الإمساك لما في أيدينا و كان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان بن عبد الملك،فسمع سليمان صوت الرعد فجزع و ودع صدره على مقدمة الرجل.فقال له عمر،هذا صوت رحمته،فكيف إذا سمعت صوت عذابه؟