إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٤ - أما الدرجة الثالثة
و من ذلك ما روى بعضهم أنه كان عند محتضر،فمات ليلا.فقال أطفئوا السراج،فقد حدث للورثة حق في الدهن .و روى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت،كان عمر رضى اللّه عنه يدفع إلى امرأته طيبا من طيب المسلمين لتبيعه،فباعتنى طيبا،فجعلت تقوم و تزيد و تنقص و تكسر بأسنانها،فتعلق بإصبعها شيء منه،فقالت به هكذا بإصبعها،ثم مسحت به خمارها.فدخل عمر رضى اللّه عنه فقال،ما هذه الرائحة؟فأخبرته،فقال طيب المسلمين تأخذينه؟فانتزع الخمار من رأسها،و أخذ جرة من الماء،فجعل يصب على الخمار،ثم يدلكه في التراب،ثم يشمه،ثم يصب الماء،ثم يدلكه في التراب و يشمه،حتى لم يبق له ريح.
قالت ثم أتيتها مرة أخرى،فلما و زنت علق منه شيء بإصبعها.فأدخلت أصبعها في فيها ثم مسحت به التراب .فهذا من عمر رضى اللّه عنه ورع التقوى،لخوف أداء ذلك إلى غيره و إلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطيب إلى المسلمين.و لكن أتلفه عليها زجرا و ردعا،و اتقاء من أن يتعدى الأمر إلى غيره.
و من ذلك ما سئل أحمد بن حنبل رحمه اللّه،عن رجل يكون في المسجد يحمل مجمرة لبعض السلاطين،و ببخر المسجد بالعود،فقال ينبغي أن يخرج من المسجد،فإنه لا ينتفع من العود إلا برائحته .و هذا قد يقارب الحرام.فإن القدر الذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد،و قد يبخل به فلا يدرى أنه يتسامح به أم لا.و سئل أحمد بن حنبل عمن سقطت ورقة فيها أحاديث،فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها؟فقال لا،بل يستأذن ثم يكتب.و هذا أيضا قد يشك في أن صاحبها هل يرضى به أم لا فما هو في محل الشك و الأصل تحريمه،فهو حرام.و تركه من الدرجة الأولى و من ذلك التورع عن الزينة،لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها،و إن كانت الزينة مباحة في نفسها.و قد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية،فقال أما أنا فلا أستعملها و لكن إن كان للطين فأرجو،و أما من أراد الزينة فلا و من ذلك أن عمر رضى اللّه عنه لما ولى الخلافة،كانت له زوجة يحبها فطلقها خيفة أن تشير عليه بشفاعة في باطل،فيطيعها و يطلب رضاها.و هذا من ترك ما لا بأس به مخافة مما به البأس،أي مخافة من أن يفضي إليه