إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٢ - أما الدرجة الثالثة
في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام،لفقد شرط من الشروط،فهو الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق و المعصية.و هو الذي نريده بالحرام المطلق .و لا يحتاج إلى أمثلة و شواهد
و أما الدرجة الثانية
،فأمثلتها كل شبهة لا نوجب اجتنابها،و لكن يستحب اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات.إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام،و منها ما يكره اجتنابها،فالورع عنها ورع الموسوسين،كمن يمتنع من الاصطياد،خوفا من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه و ملكه.و هذا وسواس .و منها ما يستحب اجتنابها و لا يجب،و هو الذي ينزل عليه قوله صلّى اللّه عليه و سلم[١]«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» و نحمله على نهى التنزيه.و كذلك قوله صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«كل ما أصميت و دع ما أنميت » و الإنماء أن يجرح الصيد فيغيب عنه،ثم يدركه ميتا .إذ يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر.و الذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام.و لكن تركه من ورع الصالحين.و قوله دع ما يريبك أمر تنزيه.إذ ورد في بعض الروايات،كل منه و إن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك.و لذلك قال صلّى اللّه عليه و سلم لعدي بن حاتم في الكلب المعلم«و إن أكل فلا تأكل»فإنى أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه على سبيل التنزيه لأجل الخوف:
إذ قال لأبي ثعلبة الخشني [٣]«كل منه»فقال و إن أكل منه؟فقال«و إن أكل»و ذلك لأن حالة أبي ثعلبة و هو فقير مكتسب،لا تحتمل هذا الورع.و حال عدى كان يحتمله يحكي عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أربعة آلاف درهم،لأنه حاك في قلبه شيء مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به فأمثلة هذه الدرجة فذكرها في التعرض لدرجات الشبهة.فكل ما هو شبهة لا يجب اجتنابه فهو مثال هذه الدرجة
أما الدرجة الثالثة
،و هي ورع المتقين،فيشهد لها قوله صلّى اللّه عليه و سلم«لا يبلغ العبد درجة المتقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس »و قال عمر رضى اللّه عنه