إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥ - السادس أن لا يقتصر على اجتناب الحرام
بتجارة الآخرة.هكذا كان صالحو السلف.فقد كان منهم من إذا ربح دانقا انصرف قنا به.و كان حماد بن سلمة يبيع الخز في سفط بين يديه،فكان إذا ربح حبتين رفع سفطه و انصرف و قال إبراهيم بن بشار،قلت لإبراهيم بن أدهم رحمه اللّه،أمر اليوم أعمل في الطين ؟فقال يا ابن بشار،إنك طالب و مطلوب،يطلبك من لا تفوته،و تطلب ما قد كفيته.أما رأيت حريصا محروما؟و ضعيفا مرزوقا؟فقلت إن لي دانقا عند البقال،فقال عز على بك تملك دانقا و تطلب العمل!و قد كان فيهم من ينصرف بعد الظهر.و منهم بعد العصر و منهم من لا يعمل في الأسبوع إلا يوما أو يومين.و كانو يكتفون به
السادس.أن لا يقتصر على اجتناب الحرام
،بل يتقى مواقع الشبهات و مظان الريب.و لا ينظر إلى الفتاوى،بل يستفتى قلبه،فإذا وجد فيه حزازة اجتنبه.و إذا حمل إليه سلعة رابه أمرها سأل عنها،حتى يعرف،و إلا أكل الشبهة .و قد حمل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]لبن فقال«من أين لكم هذا؟»فقالوا من الشاة.فقال«و من أين لكم هذه الشّاة؟»فقيل من موضع كذا فشرب منه ثم قال«إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلاّ طيّبا و لا نعمل إلاّ صالحا»و قال[٢]«إنّ اللّه تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ [١]فسأل النبي صلّى اللّه عليه و سلم عن أصل الشيء و أصل أصله و لم يزد لأن ما وراء ذلك يتعذر .و سنبين في كتاب الحلال و الحرام موضع وجوب هذا السؤال،فإنه كان عليه السلام[٣]لا يسأل عن كل ما يحمل إليه.و انما الواجب أن ينظر التاجر إلى من يعامله،فكل منسوب إلى
[١] البقرة:١٧٢