إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٧ - مسألة
المثار الثاني
ما يستند الشك فيه إلى سبب في المال لا في حال المالك
و ذلك بأن يختلط الحلال بالحرام.كما إذا طرح في سوق أحمال من طعام غصب،و اشتراها أهل السوق،فليس يجب على من يشترى في تلك البلدة و ذلك السوق أن يسأل عما يشتريه إلا أن يظهر أن أكثر ما في أيديهم حرام،فعند ذلك يجب السؤال.فإن لم يكن هو الأكثر،فالتفتيش من الورع،و ليس بواجب.و السوق الكبير حكمه حكم بلد .و الدليل على أنه لا يجب السؤال و التفتيش إذا لم يكن الأغلب الحرام،أن الصحابة رضى اللّه عنهم لم يمتنعوا من الشراء من الأسواق،و فيها دراهم الربا و غلول الغنيمة و غيرها .و كانوا لا يسألون في كل عقد.و إنما السؤال نقل عن آحادهم نادرا في بعض الأحوال،و هي محال الريبة في حق ذلك الشخص المعين.و كذلك كانوا يأخذون الغنائم من الكفار الذين كانوا قد قاتلوا المسلمين،و ربما أخذوا أموالهم،و احتمل أن يكون في تلك الغنائم شيء مما أخذوه من المسلمين.و ذلك لا يحل أخذه مجانا بالاتفاق،بل يرد على صاحبه عند الشافعي رحمه اللّه،و صاحبه أولى به بالثمن عند أبي حنيفة رحمه اللّه.و لم ينقل قط التفتيش عن هذا و كتب عمر رضى اللّه عنه إلى أذربيجان،أنكم في بلاد تذبح فيها الميتة،فانظروا ذكيّه من ميته .أذن في السؤال و أمر به،و لم يأمر بالسؤال عن الدراهم التي هي أثمانها،لأن أكثر دراهمهم لم تكن أثمان الجلود،و إن كانت هي أيضا تباع.و أكثر الجلود كان كذلك و كذلك قال ابن مسعود رضى اللّه عنه إنكم في بلاد أكثر قصابيها المجوس.فانظروا الذكي من الميتة.فخص بالأكثر الأمر بالسؤال .و لا يتضح مقصود هذا الباب إلا بذكر صور، و فرض مسائل يكثر وقوعها في العادات،فلنفرضها
مسألة:
شخص معين خالط ماله الحرام،مثل أن يباع على دكان طعام مغصوب أو مال منهوب و مثل أن يكون القاضي أو الرئيس أو العامل أو الفقيه،الذي له إدرار على سلطان ظالم،له أيضا مال موروث و دهقنة أو تجارة.أو رجل تاجر يعامل بمعاملات صحيحة و يربى أيضا ،فإن كان الأكثر من ماله حراما لا يجوز الأكل من ضيافته،و لا قبول هديته و لا صدقته إلا بعد التفتيش