إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٤ - الثالث أن يكون المراد إعانة بفعل معين
لا يحل له أخذه إن لم يكن محتاجا .و ما علم أنه يعطاه لشرف نسبه،لا يحل له إن علم أنه كاذب في دعوى النسب.و ما يعطى لعلمه،فلا يحل له أن يأخذه إلا أن يكون في العلم كما يعتقده المعطى.فإن كان خيل إليه كما لا في العلم،حتى بعثه بذلك على التقرب،و لم يكن كاملا ،لم يحل له.و ما يعطى لدينه و صلاحه،لا يحل له أن يأخذه إن كان فاسقا في الباطن فسقا لو علمه المعطى ما أعطاه.و قلما يكون الصالح بحيث لو انكشف باطنه لبقيت القلوب مائلة إليه.و إنما ستر اللّه الجميل،هو الذي يحبب الخلق إلى الخلق.و كان المتورعون يوكلون في الشراء من لا يعرف أنه وكيلهم،حتى لا يتسامحوا في المبيع،خيفة من أن يكون ذلك أكلا بالدين فإن ذلك مخطر،و التقى خفى،لا كالعلم و النسب و الفقر،فينبغي أن يجتنب الأخذ بالدين ما أمكن
القسم الثاني:ما يقصد به في العاجل غرض معين
،كالفقير يهدى إلى الغنى طمعا في خلعته،فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفى حكمها.و إنما تحل عند الوفاء بالثواب المطموع فيه،و عند وجود شروط العقود
الثالث:أن يكون المراد إعانة بفعل معين
،كالمحتاج إلى السلطان يهدى إلى وكيل السلطان و خاصته و من له مكانة عنده.فهذه هدية بشرط ثواب يعرف بقرينة الحال.فلينظر في ذلك العمل الذي هو الثواب،فإن كان حراما كالسعي في تنجيز إدرار حرام،أو ظلم إنسان أو غيره،حرم الأخذ.و إن كان واجبا كدفع ظلم متعين على كل من يقدر عليه،أو شهادة متعينة،فيحرم عليه ما يأخذه.و هي الرشوة التي لا يشك في تحريمها .و إن كان مباحا لا واجبا و لا حراما،و كان فيه تعب،بحيث لو عرف لجاز الاستئجار عليه،فما يأخذه حلال مهما و في بالغرض.و هو جار مجرى الجعالة،كقوله أوصل هذه القصة إلى يد فلان،أو يد السلطان،و لك دينار،و كان بحيث يحتاج إلى تعب و عمل متقوم،أو قال اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا،أو ينعم علىّ بكذا،و افتقر في تنجيز غرضه إلى كلام طويل،فذلك جعل،كما يأخذه الوكيل بالخصومة بين يدي القاضي،فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام و إن كان مقصوده يحصل بكلمة لا تعب فيها،و لكن تلك الكلمة من ذي الجاه،أو تلك الفعلة من ذي الجاه تفيد،كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان،أو كوضعه قصة بين يدي السلطان فقط،فهذا حرام،لأنه عوض من الجاه،و لم يثبت في الشرع جواز ذلك