إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٢ - فأما المعادن
الذي يبتدأ غصبه اليوم هو الأقل بالإضافة إلى ما لا يغصب و لا يسرق،فهكذا كل مال في كل عصر،و في كل أصل،فالمغصوب من مال الدنيا و المتناول في كل زمان بالفساد بالإضافة إلى غيره أقل.و لسنا ندري أن هذا الفرع بعينه من أي القسمين ،فلا نسلم أن الغالب تحريمه فإنه كما يزيد المغصوب بالتوالد،يزيد غير المغصوب بالتوالد،فيكون فرع الأكثر لا محالة في كل عصر و زمان أكثر.بل الغالب أن الحبوب المغصوبة تغصب للاكل لا للبذر.
و كذا الحيوانات المغصوبة أكثرها يؤكل و لا يقتنى للتوالد.فكيف يقال إن فروع الحرام أكثر و لم تزل أصول الحلال أكثر من أصول الحرام.و ليتفهم المسترشد من هذا طريق معرفة الأكثر فإنه مزلة قدم :و أكثر العلماء يغلطون فيه فكيف العوام؟هذا في المتولدات من الحيوانات و الحبوب
فأما المعادن:
فإنها مخلاة مسبلة،يأخذها في بلاد الترك و غيرها من شاء.و لكن قد يأخذ السلاطين بعضها منهم،أو يأخذون الأقل لا محالة لا الأكثر.و من حاز من السلاطين معدنا فظلمه بمنع الناس منه،فأما ما يأخذه الآخذ منه،فيأخذه من السلطان بأجرة.و الصحيح أنه يجوز الاستنابة في إثبات اليد على المباحات و الاستئجار عليها.فالمستأجر على الاستقاء إذا حاز الماء دخل في ملك المستقى له،و استحق الأجرة.فكذلك النيل.فإذا فرعنا على هذا لم تحرم عين الذهب إلا أن يقدر ظلمه بنقصان أجرة العمل.و ذلك قليل بالإضافة ثم لا يوجب تحريم عين الذهب،بل يكون ظالما ببقاء الأجرة في ذمته .و أما دار الضرب فليس الذهب الخارج منها من أعيان ذهب السلطان الذي غصبه و ظلم به الناس،بل التجار يحملون إليهم الذهب المسبوك،أو النقد الرديء،و يستأجرونهم على السبك و الضرب و يأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم،إلا شيئا قليلا يتركونه أجرة لهم على العمل.و ذلك جائز.
و إن فرض دنانير مضروبة من دنانير السلطان،فهو بالإضافة إلى مال التجار أقل لا محالة.
نعم:السلطان يظلم أجراء دار الضرب،بأن يأخذ منهم ضريبة ،لأنه خصصهم بها من بين سائر الناس،حتى توفر عليهم مال بحشمة السلطان،فما يأخذه السلطان عوض من حشمته و ذلك من باب الظلم.و هو قليل بالإضافة إلى ما يخرج من دار الضرب.فلا يسلم لأهل دار الضرب و السلطان من جملة ما يخرج منه من المائة واحد،و هو عشر العشير.فكيف يكون