إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٠ - مسألة
و أما قول ابن مسعود رضى اللّه عنه،فقيل إنه إنما نقله خوات التيمي،و إنه ضعيف الحفظ،و المشهور عنه ما يدل على توقي الشبهات،إذ قال لا يقولن أحدكم أخاف و أرجو فإن الحلال بين،و الحرام بين،و بين ذلك أمور مشتبهات،فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك و قال:اجتنبوا الحكاكات ففيها الإثم فإن قيل:فلم قلتم إذا كان الأكثر حراما لم يجز الأخذ،مع أن المأخوذ ليس فيه علامة تدل على تحريمه على الخصوص.و اليد علامة على الملك،حتى أن من سرق مال مثل هذا الرجل قطعت يده،و الكثرة توجب ظنا مرسلا لا يتعلق بالعين ،فليكن كغالب الظن في طين الشوارع،و غالب الظن في الاختلاط بغير محصور إذا كان الأكثر هو الحرام.
و لا يجوز أن يستدل على هذا بعموم قوله صلّى اللّه عليه و سلم«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» لأنه مخصوص ببعض المواضع بالاتفاق،و هو أن لا يريبه بعلامة في عين الملك،بدليل اختلاط القليل بغير المحصور،فإن ذلك توجب ريبة،و مع ذلك قطعتم بأنه لا يحرم فالجواب:أن اليد دلالة ضعيفة كالاستصحاب،و إنما يؤثر إذا سلمت عن معارض قوى ، فإذا تحققنا الاختلاط،و تحققنا أن الحرام المخالط موجود في الحال،و المال غير خال عنه و تحققنا أن الأكثر هو الحرام،و ذلك في حق شخص معين يقرب ماله من الحصر،ظهر وجوب الإعراض عن مقتضى اليد،و إن لم يحمل عليه قوله عليه السلام«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»لا يبقى له محمل.إذ لا يمكن أن يحمل على اختلاط قليل بحلال غير محصور،إذ كان ذلك موجودا في زمانه،و كان لا يدعه.و على أي موضع حمل هذا كان هذا في معناه،و حمله على التنزيه صرف له عن ظاهره بغير قياس.فإن تحريم هذا غير بعيد عن قياس العلامات و الاستصحاب،و للكثرة تأثير في تحقيق الظن،و كذا للحصر،و قد اجتمعا،حتى قال أبو حنيفة رضى اللّه عنه،لا تجتهد في الأواني إلا إذا كان الطاهر هو الأكثر.فاشترط اجتماع الاستصحاب و الاجتهاد بالعلامة و قوة الكثرة.و من قال يأخذ أي آنية أراد بلا اجتهاد،بناء على مجرد الاستصحاب،فيجوز الشرب أيضا،فيلزمه التجويز هاهنا بمجرد علامة اليد،و لا يجرى ذلك في بول اشتبه بماء،إذ لا استصحاب فيه .و لا نطرده أيضا في ميتة اشتبهت بذكية،إذ لا استصحاب في الميتة،و اليد لا تدل على أنه غير ميتة