إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٩ - و أما المستند الثالث
يجتمع علمه من الجنود مائة ألف مثلا،فيملك إقليما يجمع ألف ألف و زيادة.و لعل بلدة واحدة من بلاد مملكته يزيد عددها على جميع عسكره.و لو كان عدد السلاطين أكثر من عدد الرعايا لهلك الكل،إذ كان يجب على كل واحد من الرعية أن يقوم بعشرة منهم مثلا،مع تنعمهم في المعيشة،و لا يتصور ذلك.بل كفاية الواحد منهم تجمع من ألف من الرعية و زيادة.و كذا القول في السراق،فان البلدة الكبيرة تشتمل منهم على قدر قليل
و أما المستند الثاني
،و هو كثرة الربا و المعاملات الفاسدة،فهي أيضا كثيرة،و ليست بالأكثر.إذ أكثر المسلمين يتعاملون بشروط الشرع،فعدد هؤلاء أكثر.و الذي يعامل بالربا أو غيره،فلو عددت معاملاته وحده،لكان عدد الصحيح منها يزيد على الفاسد إلا أن يطلب الإنسان بوهمه في البلد مخصوصا بالمجانة و الخبث و قلة الدين ،حتى يتصور أن يقال معاملاته الفاسدة أكثر.و مثل ذلك المخصوص نادر.و إن كان كثيرا،فليس بالأكثر لو كان كل معاملاته فاسدة،كيف و لا يخلو هو أيضا عن معاملات صحيحة تساوى الفاسدة أو تزيد عليها!و هذا مقطوع به لمن تأمله.و إنما غلب هذا على النفوس،لاستكثار النفوس الفساد، و استبعادها إياه،و استعظامها له،و إن كان نادرا.حتى ربما يظن أن الزنا و شرب الخمر قد شاع كما شاع الحرام،فيتخيل انهم الأكثرون و هو خطأ.فإنهم الأقلون،و إن كانت فيهم كثرة .
و أما المستند الثالث
،و هو أخيلها،أن يقال الأموال إنما تحصل من المعادن و النبات و الحيوان،و النبات و الحيوان حاصلان بالتوالد.فإذا نظرنا إلى شاة مثلا،و هي تلد في كل سنة،فيكون عدد أصولها إلى زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قريبا من خمسمائة.و لا يخلو هذا أن يتطرق إلى أصل من تلك الأصول غصب أو معاملة فاسدة ،فكيف يقدر أن تسلم أصولها عن تصرف باطل إلى زماننا هذا؟و كذا بذور الحبوب و الفواكه،تحتاج إلى خمسمائة أصل،أو ألف أصل مثلا،إلى أول الشرع،و لا يكون هذا حلالا ما لم أصله و أصل أصله كذلك إلى أول زمان النبوة حلالا.و أما المعادن،فهي التي يمكن نيلها على سبيل الابتداء.و هي أقل الأموال،و أكثر ما يستعمل منها الدراهم و الدنانير ،