إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٤ - و تمام التخفيف،بطيّ بساط التكليف
إلى من ظلمك،و بالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل،و لا من أخيك التقصير.
و من آثار الصدق و الإخلاص و تمام الوفاء،أن تكون شديد الجزع من المفارقة،نفور الطبع عن أسبابها،كما قيل:
وجدت مصيبات الزمان جميعها
سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
و أنشد ابن عيينة هذا البيت و قال:لقد عهدت أقواما فارقتهم منذ ثلاثين سنة،ما يخيل إليّ أن حسرتهم ذهبت من قلبي و من الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه،لا سيما من يظهر أوّلا أنه محب لصديقه كيلا يتهم،ثم يلقى الكلام عرضا،و ينقل عن الصديق ما يوغر القلب،فذلك من دقائق الحيل في التضريب.و من لم يحترز منه لم تدم مودته أصلا.قال واحد لحكيم:قد جئت خاطبا لمودتك.قال ان جعلت مهرها ثلاثا فعلت.قال و ما هي؟قال لا تسمع علىّ بلاغة،و لا تخالفني في أمر،و لا توطئنى عشوة و من الوفاء أن لا يصادق عدوّ صديقه.قال الشافعي رحمه اللّه.إذا أطاع صديقك عدوّك فقد اشتركا في عداوتك
الحق الثامن
التخفيف و ترك التكلف و التكليف.
و ذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه،بل يروح سره من مهماته و حاجاته،و يرفهه عن أن يحمله شيئا من أعبائه،فلا يستمد منه من جاه و مال،و لا يكلفه التواضع له،و التفقد لأحواله،و القيام بحقوقه.بل لا يقصد بمحبته إلا اللّه تعالى،تبركا بدعائه،و استئناسا بلقائه،و استعانة به على دينه،و تقربا إلى اللّه تعالى بالقيام بحقوقه،و تحمل مئونته.قال بعضهم:من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه فقد ظلمهم و من اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم.و من لم يقتض فهو المتفضل عليهم.و قال بعض الحكماء:من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثم و أثموا.و من جعل نفسه في قدره تعب و أتعبهم.و من جعلها دون قدره سلم و سلموا
و تمام التخفيف،بطيّ بساط التكليف
،حتى لا يستحى منه فيما لا يستحى من نفسه