إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٢ - الحق السابع
فمن الوفاء للأخ مراعاة جميع أصدقائه و أقاربه و المتعلقين به،و مراعاتهم أوقع في قلب الصديق من مراعاة الأخ في نفسه،فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر،إذ لا يدل على قوة الشفقة و الحب إلا تعديهما من المحبوب إلى كل من يتعلق به،حتى الكلب الذي على باب داره ينبغي أن يميز في القلب عن سائر الكلاب و مهما انقطع الوفاء بدوام المحبة،شمت به الشيطان،فإنه لا يحسد متعاونين على بر،كما يحسد متواخيين في اللّه و متحابين فيه.فإنه يجهد نفسه لإفساد ما بينهما.قال اللّه تعالى وَ قُلْ لِعِبٰادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطٰانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ [١]و قال مخبرا عن يوسف مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطٰانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي [٢]و يقال:ما تواخى اثنان في اللّه،فتفرق بينهما،إلا بذنب يرتكبه أحدهما. و كان بشر يقول:إذا قصر العبد في طاعة اللّه،سلبه اللّه من يؤنسه.و ذلك لأن الإخوان مسلاة للهموم،و عون على الدين.و لذلك قال ابن المبارك:ألذ الأشياء مجالسة الإخوان و الانقلاب إلى كفاية.و المودة الدائمة هي التي تكون في اللّه.و ما يكون لغرض يزول بزوال ذلك الغرض. و من ثمرات المودة في اللّه أن لا تكون مع حسد في دين و دنيا.و كيف يحسده و كل ما هو لأخيه فإليه ترجع فائدته!و به وصف اللّه تعالى المحبين في اللّه تعالى فقال وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ [٣]و وجوه الحاجة هو الحسد و من الوفاء أن لا يتغير حاله في التواضع مع أخيه،و إن ارتفع شأنه،و اتسعت ولايته و عظم جاهه.فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم.قال الشاعر
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
و أوصى بعض السلف ابنه فقال:يا بني،لا تصحب من الناس إلا من إذا افتقرت إليه قرب منك،و إن استغنيت عنه لم يطمع فيك و إن علت مرتبته لم يرتفع عليك. و قال بعض الحكماء:إذا ولىّ أخوك ولاية فثبت على نصف مودته لك فهو كثير
[١] الاسراء:٥٣
[٢] يوسف:١٠٠
[٣] الحشر:٩