إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٤ - الرتبة الوسطى أن لا يكون العوض غصبا و لا حراما
للطعام إذا أكله بغير إذن المرتهن .و بينه و بين أكل طعام الغير فرق.و لكن أصل التحريم شامل هذا كله،إذا قبض قبل توفية الثمن،إما بطيبة قلب البائع أو من غير طيبة قلبه.
فأما إذا وفّى الثمن الحرام أولا ثم قبض،فإن كان البائع عالما بأن الثمن حرام،و مع هذا أقبض المبيع،بطل حق حبسه،و بقي له الثمن في ذمته،إذ ما أخذه ليس بثمن،و لا يصير أكل المبيع حراما بسبب بقاء الثمن.فأما إذا لم يعلم أنه حرام،و كان بحيث لو علم لما رضى به، و لا أقبض المبيع،فحق حبسه لا يبطل بهذا التلبيس.فأكله حرام تحريم أكله المرهون،إلى أن يبرئه.أو يوفى من حلال،أو يرضى هو بالحرام و يبرئ،فيصح إبراؤه،و لا يصح رضاه بالحرام.
فهذا مقتضى الفقه و بيان الحكم في الدرجة الأولى من الحل و الحرمة،فأما الامتناع عنه فمن الورع المهم،لأن المعصية إذا تمكنت من السبب الموصل إلى الشيء تشتد الكراهة فيه كما سبق.و أقوى الأسباب الموصلة الثمن.و لو لا الثمن الحرام لما رضى البائع بتسليمه إليه.فرضاه لا يخرجه عن كونه مكروها كراهية شديدة.و لكن العدالة لا تنخرم به .و تزول به درجة التقوى و الورع.و لو اشترى سلطان مثلا ثوبا أو أرضا في الذمة و قبضه برضا البائع قبل توفية الثمن،و سلمه إلى فقيه أو غيره صلة أو خلعة.و هو شاك في أنه سيقضي ثمنه من الحلال أو الحرام،فهذا أخلف.إذ وقع الشك في تطرق المعصية إلى الثمن،و تفاوت خفته بتفاوت كثرة الحرام و قلته في مال ذلك السلطان،و ما يغلب على الظن فيه ،و بعضه أشد من بعض،و الرجوع فيه إلى ما ينقدح في القلب
الرتبة الوسطى:أن لا يكون العوض غصبا و لا حراما
،و لكن يتهيأ لمعصية.كما لو سلم عوضا عن الثمن عنبا،و الآخذ شارب الخمر.أو سيفا،و هو قاطع طريق.فهذا لا يوجب تحريما في مبيع اشتراه في الذمة،و لكن يقتضي فيه كراهية دون الكراهية التي في الغصب.
و تتفاوت درجات هذه الرتبة أيضا،بتفاوت غلبة المعصية على قابض الثمن و ندوره.و مهما كان العوض حراما،فبذله حرام.و إن احتمل تحريمه و لكن أبيح بظن،فبذله مكروه.
و عليه ينزل عندي[١]الهى عن كسب الحجام و كراهته .