إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١ - النظر الثاني
بحكم الميراث.بل هذا الحق غير متعين.و إنما يتعين بالقبض.بل هو كالصدقات و مهما أعطى الفقراء حصتهم من الصدقات وقع ذلك ملكا لهم.و لم يمتنع بظلم المالك بقية الأصناف،بمنع حقهم هذا إذا لم يصرف إليه كل المال،بل صرف إليه من المال ما لو صرف إليه بطريق الإيثار و التفضيل مع تعميم الآخرين لجاز له أن يأخذه ،و التفضيل جائز في العطاء.سوّى أبو بكر رضى اللّه عنه،فراجعه عمر رضى اللّه عنه،فقال إنما فضلهم عند اللّه،و إنما الدنيا بلاغ.و فضل عمر رضى اللّه عنه في زمانه،فأعطى عائشة اثنى عشر ألفا و زينب عشرة آلاف،و جويرية ستة آلاف،و كذا صفية.و أقطع عمر لعلى خاصة رضى اللّه عنهما،و أقطع عثمان أيضا من السواد خمس جنات !و آثر عثمان عليا رضى اللّه عنهما بها،فقبل ذلك منه،و لم ينكر.و كل ذلك جائز في محل الاجتهاد و هو من المجتهدات التي أقول فيها إن كل مجتهد مصيب.و هي كل مسألة لا نص على عينها،و لا على مسألة تقرب منها،فتكون في معناها بقياس جلىّ ،كهذه المسألة و مسألة حد الشرب،فإنهم جلدوا أربعين و ثمانين،و الكل سنة و حق.و أن كل واحد من أبي بكر و عمر رضى اللّه عنهما مصيب باتفاق الصحابة رضى اللّه عنهم.إذ المفضول ما ردّ في زمان عمر شيئا إلى الفاضل،مما قد كان أخذهم في زمان أبي بكر،و لا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر.و اشترك في ذلك كل الصحابة،و اعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق .فليؤخذ هذا الجنس دستورا للاختلافات التي يصوّب فيها كل مجتهد فأما كل مسألة شذ عن مجتهد فيها نص أو قياس جلىّ،بغفلة أو سوء رأى،و كان في القوة بحيث ينقض به حكم المجتهد،فلا نقول فيها إن كل واحد مصيب،بل المصيب من أصاب النص أو ما في معنى النص و قد تحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا ،و أخذ من السلطان خلعة أو إدرارا على التركات أو الجزية لم يصر فاسقا بمجرد أخذه،و إنما يفسق بخدمته لهم و معاونته إياهم،و دخوله عليهم و ثنائه و إطرائه لهم،إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال غالبا إلا بها كما سنبينه.