إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٠ - الحق الرابع
أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان،و أعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.و كثرة المماراة توجب التضييع و القطيعة،و تورث العداوة.و قد قال الحسن:لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل.
و على الجملة،فلا باعث على المماراة إلا إظهار التمييز بمزيد العقل و الفضل،و احتقار المردود عليه بإظهار جهله،و هذا يشتمل على التكبر و الاحتقار،و الإيذاء و الشتم بالحمق و الجهل، و لا معنى للمعاداة إلا هذا.فكيف تضامه الأخوة و المصافاة.فقد روى ابن عباس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال[١]«لا تمار أخاك و لا تمازحه و لا تعده موعدا فتخلفه» و قد قال عليه السلام[٢]«إنّكم لا تسعون النّاس بأموالكم و لكنّ ليسعهم منكم بسط وجه و حسن خلق»و المماراة مضادة لحسن الخلق. و قد انتهى السلف في الحذر عن المماراة،و الحض على المساعدة،إلى حد لم يروا السؤال أصلا.و قالوا إذا قلت لأخيك قم،فقال إلى أين؟فلا تصحبه.بل قالوا ينبغي أن يقوم و لا يسأل.و قال أبو سليمان الداراني:كان لي أخ بالعراق،فكنت أجيئه في النوائب، فأقول أعطني من مالك شيئا.
فكان يلقى إلي كيسه فآخذ منه ما أريد.فجئته ذات يوم،فقلت أحتاج إلى شيء،فقال كم تريد؟فخرجت حلاوة إخائه من قلبي.و قال آخر:إذا طلبت من أخيك مالا،فقال ما ذا تصنع به؟فقد ترك حق الأخاء.و اعلم أن قوام الأخوة بالموافقة في الكلام و الفعل و الشفقة.قال أبو عثمان الحيرى:موافقة الإخوان خير من الشفقة عليهم.و هو كما قال
الحق الرابع
على اللسان بالنطق
فإن الأخوة كما تقتضي السكوت من المكاره،تقتضي أيضا النطق بالمحاب.بل هو أخص بالأخوة.لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور.و إنما تراد