إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٧ - و أما الحريص على الدنيا
الداء لا يحتاج إليه قط،و لكن العبد قد يبتلى به،و هو الذي لا أنس فيه و لا نفع.و قد قيل مثل جملة الناس كمثل الشجر و النبات،فمنها ماله ظل و ليس له ثمر،و هو مثل الذي ينتفع به في الدنيا دون الآخرة،فإن نفع الدنيا كالظل السريع الزوال.و منها ماله ثمر و ليس له ظل،و هو مثل الذي يصلح للآخرة دون الدنيا.و منها ماله ثمر و ظل جميعا و منها ما ليس له واحد منهما،كأم غيلان،تمزق الثياب و لا طعم فيها و لا شراب.و مثله من الحيوانات الفأرة و العقرب كما قال تعالى يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلىٰ وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ [١]و قال الشاعر
الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم لا يستوون كما لا يستوي الشجر
هذا له ثمر حلو مذاقته و ذاك ليس له طعم و لا ثمر
فإذا لم يجد رفيقا يؤأخيه و يستفيد به أحد هذه المقاصد،فالوحدة أولى به.قال أبو ذر رضى اللّه عنه:الوحدة خير من الجليس السوء،و الجليس الصالح خير من الوحدة و يروي مرفوعا
و أما الديانة و عدم الفسق
،فقد قال اللّه تعالى وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنٰابَ إِلَيَّ [٢]و لأن مشاهدة الفسق و الفساق تهون أمر المعصية على القلب،و تبطل نفرة القلب عنها.قال سعيد بن المسيب:لا تنظروا إلى الظلمة فتحبط أعمالكم الصالحة.بل هؤلاء لا سلامة في مخالطتهم و انما السلامة في الانقطاع عنهم.قال اللّه تعالى وَ إِذٰا خٰاطَبَهُمُ الْجٰاهِلُونَ قٰالُوا سَلاٰماً [٣]أي سلامة،و الالف بدل من الهاء.و معناه إنا سلمنا من اثمكم،و أنتم سلتم من شرنا فهذا ما أردنا أن نذكره من معانى الاخوة و شروطها و فوائدها.فلنرجع في ذكر حقوقها و لوازمها،و طرق القيام بحقها
و أما الحريص على الدنيا
فصحبته سم قاتل.لأن الطباع مجبولة على التشبه و الاقتداء بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدرى صاحبه.فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص.و مجالسة الزاهد تزهد في الدنيا.فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا،و يستحب صحبة الراغبين في الآخرة.قال علىّ عليه السلام أحيوا الطاعات بمجالسة من يستحيا
[١] الحج:١٣
[٢] لقمان:١٥
[٣] الفرقان:٧٢