إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٨ - أما المستند الأول فباطل
إذ الفسق يغلب على الناس،و يتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود،و يؤدى ذلك لا محالة إلى الاختلاط.فإن قيل:فقد نقلتم أنه صلّى اللّه عليه و سلم امتنع من الضب و قال «أخشى أن يكون ممّا مسخه اللّه»و هو في اختلاط غير المحصور،قلنا يحمل ذلك على التنزه و الورع،أو نقول الضب شكل غريب،ربما يدل على أنه من المسخ،فهي دلالة في عين المتناول .فإن قيل:هذا معلوم في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم،و زمان الصحابة بسبب الربا و السرقة و النهب و غلول الغنيمة و غيرها،و لكن كانت هي الأقل بالإضافة إلى الحلال.فما ذا نقول في زماننا،و قد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس،لفساد المعاملات و إهمال شروطها،و كثرة الربا و أموال السلاطين الظلمة،فمن أخذ مالا لم يشهد عليه علامة معينة في عينه للتحريم،فهل هو حرام أم لا ؟فأقول:ليس ذلك حراما.و انما الورع تركه، و هذا الورع أهم من الورع إذا كان قليلا.و لكن الجواب عن هذا،أن قول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط محض.و منشؤه الغفلة عن الفرق بين الكثير و الأكثر.
فأكثر الناس،بل أكثر الفقهاء،يظنون أن ما ليس بنادر فهو الأكثر،و يتوهمون أنهما قسمان متقابلان ليس بينهما ثالث.و ليس كذلك.بل الأقسام ثلاثة:قليل و هو النادر، و كثير،و أكثر.و مثاله:ان الخنثى فيما بين الخلق نادر ،و إذا أضيف إليه المريض وجد كثيرا.و كذا السفر،حتى يقال المرض و السفر من الأعذار العامة،و الاستحاضة من الأعذار النادرة.و معلوم أن المرض ليس بنادر،و ليس بالأكثر أيضا.بل هو كثير.و الفقيه إذا تساهل و قال،المرض و السفر غالب،و هو عذر عام،أراد به أنه ليس بنادر .فإن لم يرد هذا فهو غلط.و الصحيح و المقيم هو الأكثر.و المسافر و المريض كثير.
و المستحاضة و الخنثى نادر.
فإذا فهم هذا فنقول:قول القائل الحرام أكثر باطل.لأن مستند هذا القائل إما أن يكون كثرة الظلمة و الجندية،أو كثرة الربا و المعاملات الفاسدة،أو كثرة الأيدي التي تكررت من أول الإسلام إلى زماننا هذا على أصول الأموال الموجودة اليوم
أما المستند الأول فباطل.
فان الظالم كثير،و ليس هو بالأكثر.فإنهم الجندية،إذ لا يظلم إلا ذو غلبة و شوكة،و هم إذا أضيفوا إلى كل العالم لم يبلغوا عشر عشيرهم.فكل سلطان