إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٧ - أما القسم الأول و هو حبك الإنسان لذاته
أمن الصالحين أنت؟لا و اللّه.ثم أقبل يوبخ نفسه و يقول كنت في الشبيبة فاسقا،فلما شخت صرت مرائيا و اللّه للمرائي شر من الفاسق.و قال عمر رضى اللّه عنه،إذا أصاب أحدكم ودّا لمن أخيه فليتمسك به،فقلما يصيب ذلك.و قال مجاهد،المتحابون في اللّه إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض،تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس.و قال الفضيل نظر الرجل إلى وجه أخيه على المودة و الرحمة عبادة
بيان
معنى الأخوة في اللّه و تمييزها من الأخوة في الدنيا
اعلم أن الحب في اللّه و البغض في اللّه غامض.و ينكشف الغطاء عنه بما نذكره.و هو أن الصحبة تنقسم إلى ما يقع بالاتفاق،كالصحبة بسبب الجوار،أو بسبب الاجتماع في المكتب،أو في المدرسة،أو في السوق،أو على باب السلطان،أو في الأسفار،و إلى ما ينشأ اختيارا و يقصد،و هو الذي نريد بيانه و إذ الأخوة في الدين واقعة في هذا القسم لا محالة إذ لا ثواب إلا على الأفعال الاختيارية،و لا ترغيب إلا فيها.و الصحبة عبارة عن المجالسة و المخالطة و المجاورة،و هذه الأمور لا يقصد الإنسان بها غيره إلا إذا أحبه،فإن غير المحبوب يجتنب و يباعد و لا تقصد مخالطته و الذي يحب فإما أن يحب لذاته،لا ليتوصل به إلى محبوب و مقصود وراءه،و إما أن يحب للتوصل به إلى مقصود.و ذلك المقصود إما أن يكون مقصورا على الدنيا و حظوظها،و إما أن يكون متعلقا بالآخرة،و إما أن يكون متعلقا باللّه تعالى.فهذه أربعة أقسام
أما القسم الأول:و هو حبك الإنسان لذاته
،فذلك ممكن.و هو أن يكون في ذاته محبوبا عندك،على معنى أنك تلتذ برؤيته و معرفته و مشاهدة أخلاقه،لاستحسانك له فإن كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله،و كل لذيذ محبوب،و اللذة تتبع الاستحسان و الاستحسان يتبع المناسبة و الملاءمة و الموافقة بين الطباع.ثم ذلك المستحسن إما أن يكون هو الصورة الظاهرة،أعنى حسن الخلقة،و إما أن يكون هو الصورة الباطنة،أعنى أن العقل و حسن الأخلاق.و يتبع حسن الأخلاق حسن الأفعال لا محالة،و يتبع كمال العقل غزارة العلم.و كل ذلك مستحسن عند الطبع السليم،و العقل المستقيم،و كل مستحسن