إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٩ - الحق الخامس
اللوم على نفسك،فتقول لقلبك ما أقساك!يعتذر إليك أخوك سبعين عذرا فلا تقبله!فأنت المعيب لا أخوك.فإن ظهر بحيث لم يقبل التحسين،فينبغي ألا تغضب إن قدرت.و لكن ذلك لا يمكن.و قد قال الشافعي رحمه اللّه:من استغضب فلم يغضب فهو حمار،و من استرضي فلم يرض فهو شيطان.فلا تكن حمارا و لا شيطانا،و استرض قلبك بنفسك نيابة عن أخيك،و احترز أن تكون شيطانا إن لم تقبل.قال الأحنف: حق الصديق أن تحتمل منه ثلاثا:ظلم الغضب،و ظلم الدالة،و ظلم الهفوة.و قال آخر:ما شتمت أحدا قط،لأنه إن شتمني كريم فأنا أحق من غفرها له،أو لئيم فلا أجعل عرضى له غرضا.ثم تمثل و قال:
و أغفر عوراء الكريم ادخاره
و أعرض عن شتم اللئيم تكرما
و قد قيل:
خذ من خليلك ما صفا
و دع الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معاتبة
الخليل على الغير
و مهما اعتذر إليك أخوك كاذبا كان أو صادقا فاقبل عذره.قال عليه السلام[١]«من اعتذر إليه أخوه فلم يقبل عذره فعليه مثل إثم صاحب المكس» و قال عليه السلام [٢]«المؤمن سريع الغضب سريع الرّضا» فلم يصفه بأنه لا يغضب.و كذلك قال اللّه تعالى وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ [١]و لم يقل و الفاقدين الغيظ.و هذا لأن العادة لا تنتهي إلى أن يجرح الإنسان فلا يتألم،بل تنتهي إلى أن يصبر عليه و يحتمل.و كما أن التألم بالجرح مقتضى طبع البدن،فالتألم بأسباب الغضب طبع القلب.و لا يمكن قلعه،و لكن يمكن ضبطه و كظمه،و العمل بخلاف مقتضاه.فإنه يقتضي التشفي و الانتقام و المكافأة،و ترك العمل بمقتضاه ممكن.و قد قال الشاعر
و لست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب
[١] آل عمران:١٣٤