إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٦ - الحق الخامس
و الورع حاله فإن لم تقدر،و بقي مصرا،فقد اختلفت طرق الصحابة و التابعين في إدامة حق مودته،أو مقاطعته.فذهب أبو ذر رضي اللّه عنه إلى الانقطاع،و قال:إذا انقلب أخوك عما كان عليه،فأبغضه من حيث أحببته.و رأى ذلك من مقتضى الحب في اللّه،و البغض في اللّه و أما أبو الدرداء و جماعة من الصحابة،فذهبوا إلى خلافه.فقال أبو الدرداء:إذا تغير أخوك،و حال عما كان عليه،فلا تدعه لأجل ذلك.فإن أخاك يعوج مرة،و يستقيم أخرى.و قال إبراهيم النخعي.لا تقطع أخاك،و لا تهجره عند الذنب بذنبه،فإنه يرتكبه اليوم و يتركه غدا.و قال أيضا:لا تحدثوا الناس بزلة العالم،فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها و في الخبر[١]«اتّقوا زلّة العالم و لا تقطعوه و انتظروا فيئته» و في حديث عمر،و قد سأل عن أخ كان آخاه، فخرج إلى الشام،فسأل عنه بعض من قدم عليه،و قال:ما فعل أخي؟قال ذلك أخو الشيطان.قال مه قال أنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر.قال إذا أردت الخروج فآذنى فكتب عند خروجه إليه:بسم اللّه الرحمن الرحيم حم تَنْزِيلُ الْكِتٰابِ مِنَ اللّٰهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غٰافِرِ الذَّنْبِ وَ قٰابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقٰابِ [١]الآية ثم عاتبه تحت ذلك و عذله.فلما قرأ الكتاب بكى،و قال صدق اللّه و نصح لي عمر.فتاب و رجع و حكي أن أخوين ابتلى أحدهما بهوى،فأظهر عليه أخاه،و قال إنى قد اعتللت،فإن شئت أن لا تعقد على صحبتى للّٰه فافعل. فقال ما كنت لا حل عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدا.ثم عقد أخوة بينه و بين اللّه أن لا يأكل و لا يشرب حتى يعافى اللّه أخاه من هواه فطوى أربعين يوما في كلها يسأله عن هواه فكان يقول.القلب مقيم على حاله و ما زال هو يتحلل من الغم و الجوع حتى زال الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين.فأخبره بذلك،فأكل و شرب بعد أن كاد يتلف هزالا و ضرا و كذلك حكى عن أخوين من السلف،انقلب أحدهما عن الاستقامة،فقيل لأخيه ألا تقطعه و تهجره؟فقال أحوج ما كان إلي في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده، و أتلطف له في المعاتبة،و ادعو له بالعود إلى ما كان عليه
[١] غافر:١