إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٨ - الحق الخامس
أبو الدرداء لما قيل له:ألا تبغض أخاك و قد فعل كذا؟ فقال إنما أبغض عمله،و إلا فهو أخي و أخوة الدين أوكد من أخوة القرابة.و لذلك قيل لحكيم أيما أحب إليك،أخوك أو صديقك فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا لي.و كان الحسن يقول كم من أخ لم تلده أمك.و لذلك قيل:القرابة تحتاج إلى مودة،و المودة لا تحتاج إلى قرابة. و قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه مودة يوم صلة،و مودة شهر قرابة،و مودة سنة رحم مائية من قطعها قطعه اللّه. فإذا الوفاء بعقد الأخوة إذا سبق انعقادها واجب.و هذا جوابنا عن ابتداء للمؤاخاة مع الفاسق.فإنه لم يتقدم له حق فإن تقدمت له قرابة،فلا جرم لا ينبغي أن يقاطع،بل يجامل.و الدليل عليه أن ترك المؤاخاة و الصحبة ابتداء ليس مذموما و لا مكروها.بل قال قائلون الانفراد أولى فأما قطع الأخوة عن دوامها فمنهيّ عنه،و مذموم في نفسه و نسبته إلى تركها ابتداء،كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح،و الطلاق أبغض إلى اللّه تعالى من ترك النكاح.قال صلّى اللّه عليه و سلم[١] «شرار عباد اللّه المشّاءون بالنّميمة المفرّقون بين الأحبّة» و قال بعض السلف في ستر زلات الإخوان: ودّ الشيطان أن يلقى على أخيكم مثل هذا حتى تهجروه و تقطعوه.فما ذا اتقيتم من محبة عدوّكم؟و هذا لان التفريق بين الأحباب من محاب الشيطان،كما أن مقارفة العصيان من محابه.فإذا حصل للشيطان أحد غرضيه،فلا ينبغي أن يضاف إليه الثاني و إلى هذا أشار عليه السلام،في الذي شتم الرجل الذي أتى فاحشة إذ قال«مه و زبره»و قال[٢]«لا تكونوا عونا للشّيطان على أخيكم»فبهذا كله يتبين الفرق بين الدوام و الابتداء لان مخالطة الفساق محذورة و مفارقة الأحباب و الإخوان أيضا محذورة،و ليس من سلم عن معارضة غيره كالذي لم يسلم.و في الابتداء قد سلم.فرأينا أن المهاجرة و التباعد هو الأولى.و في الدوام تعارضا فكان الوفاء بحق الاخوة أولى،هذا كله في زلته في دينه أما زلته في حقه بما يوجب إيحاشه،فلا خلاف في أن الأولى العفو و الاحتمال.بل كل ما يحتمل تنزيله على وجه حسن،و يتصور تمهيد عذر فيه قريب أو بعيد،فهو واجب بحق الأخوة.فقد قيل:ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرا،فان لم يقبله،قلبك فرد