الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٣ - مبادىء تزيين الأعمال
الكاملة على عقل الإنسان واختياره، وبإمكان الإنسان معرفة حقيقة المسألة بقليل من التفكر والتأمل، فلو تأمل الإنسان قليلًا في مجريات الأمور لأدرك أنّ الفساد والفحشاء وأشكال الانحراف الأخرى لا تخضع لمقولة الحرية، ولو تفكر قليلًا لفهم حقيقة التمدن المزعوم الذي يختزن في واقعه التوحش والانحطاط الخلقي، فالإنسان بإمكانه أن يكشف الملابسات في حركة الحياة من خلال التفكر والتأمل ولا يتحرك على مستوى هدم الجسور خلفه.
كان الحسن البصري عالماً يسير في خط الانحراف، ومن العجيب أنّه استاذ ابن أبي العوجاء الزنديق المعروف والمنكر للَّهتعالى، وكان يعيش في عصر الإمام الصادق عليه السلام، وعندما قيل له: أنت تلميذ للحسن البصري فكيف سلكت في خط الكفر والإلحاد؟ فأجابهم قائلًا: إنّ استاذي لم يكن يملك عقيدة صحيحة أيضاً وكانت معالم الانحراف بادية من آرائه وسلوكياته، والحسن البصري التقى بالإمام علي عليه السلام بعد معركة الجمل فسأله الإمام، لماذا لم تشترك في الحرب ولم تمد يد المعونة لي في هذه الحرب؟ فقال: عندما أردت التوجه إلى ميدان القتال سمعت هاتفاً من الغيب يقول:
«القاتل والمقتول في النار».
فقال له الإمام علي عليه السلام: صدق القائل، وذلك أنّ القائل هو الشيطان الذي زيّن لك أعمالك [١].
مثل هذا الإنسان الذي هدم جميع الجسور خلفه، لم يتمكن من تشخيص تزيينات الشيطان والتمييز بين هاتف الخير وهاتف الشر.
وأمّا الأشخاص الذين يعيشون الفطرة السليمة والقلب النقي، فحتى لو تلوثوا بالذنوب، فإنّهم يستطيعون التمييز بين الوساوس الشيطانية والإلهامات الرحمانية، فالحر بن يزيد الرياحي عندما خرج من بيته متوجهاً إلى كربلاء سمع منادياً ينادي:
[١]. بحار الأنوار، ج ٣٢، ص ٢٢٦.