الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٢ - القسم الأوّل قسم بيوم القيامة
يموت وينتهي كلّ شيء، فهل هذا المعنى ينسجم ويتناسب مع حكمة اللَّه تعالى؟
إنّ عالم الوجود بدون يوم القيامة حاله حال الجنين الذي يموت فور ولادته، فلو افترضنا عدم وجود الحياة في هذه الدنيا بالنسبة للجنين، فلو كان للجنين عقل وشعور لقال: إذا تقرر أن أموت بعد ولادتي وبعد انتهاء مراحل الحياة في الرحم، إذن فلماذا اتحمل كلّ هذه الصعوبات في هذا المحيط الضيق والمظلم حتّى أنني لا أستطيع فتح عيني، وينبغي عليّ أن أتغذى من الدم، فما الحكمة في ذلك؟ ولكن إذا تقرر أن يكتب لي الحياة في الدنيا بعد انتهاء المرحلة الجنينية وابقى في الدنيا إلى تسعين سنة تقريباً، أي قرابة تسعين مرّة أكثر من مدّة الحمل، فإنّ جميع المشاكل والصعوبات التي أعيشها في رحم الامّ ستكون مفهومة وذات معنى وقابلة للتحمّل حينئذٍ، ونحن البشر إذا كنّا نعتقد بوجود هدف من هذه الحياة ووجود آخرة بعد الموت فإنّ هذه الحياة بما فيها من أزمات ومعاناة ومشاكل ستكون قابلة للتحمّل، لأننا سنرى نتيجة أعمالنا ومعاناتنا في ذلك العالم.
مضافاً إلى ذلك فلو لم تكن هناك حياة بعد الموت ولم يكن هناك يوم القيامة، فإنّ مسألة العدل الإلهي ستخضع للاهتزاز وتثار حولها علامات الاستفهام، فنحن نعرف في زماننا هذا الكثير من الطغاة والمستكبرين الذين ظلموا الناس إلى درجة أنّ هذه الدنيا لا تتسع لعقوبتهم ولا تختزن من إمكانات كافية لإقامة الجزاء العادل بحقّهم، وفي مقابل ذلك نرى الكثير من الأشخاص الذين قدّموا خدمات كبيرة وعبادات مهمّة بحيث لا تتقبّل هذه الدنيا بظرفيتها المحدودة لمنحهم جزاءهم وثوابهم في هذه الحياة، فالعدالة الإلهيّة تقتضي وجود عالم آخر يتسع لعقاب ومؤاخذة الظالمين والطغاة، ولمنح المحسنين والصالحين ثوابهم الذي يستحقونه ..
هل من الممكن إعطاء شهداء كربلاء الذين قدّموا الغالي والنفيس في طريق الدفاع عن الإسلام وأهل البيت عليهم السلام ووهبوا أنفسهم في خطّ التضحية للقيّم السماوية