الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - توصية هامّة
سؤال: قلتم: «إنّ الحُسن والقُبح من جملة القضايا الفطرية التي أودعها اللَّه تعالى في واقع أفراد البشر بحيث يدركها كل إنسان بدون تعليم وتجربة، فلو كان الأمر كذلك فلماذا نرى أنّ بعض المسلمين أنكر الحسن والقبح العقليين وادعوا أنّ ذلك إنّما يثبت بالدليل الشرعي، ويعتقدون بأنّ العقل غير قادر على إدراك أي شيء من هذه الأمور، فلو قال اللَّه تعالى: «العدل حسن» فسيكون حسناً، ولو قال: «العدل قبيح» فسيكون قبيحاً، فالعقل لا يدرك حسن العدل وقبح الظلم ولا حسن إسداء الخير للآخرين.
الجواب: للأسف فإنّ جماعة كبيرة من المسلمين، وبسبب ابتعادهم عن تعاليم أهل البيت عليهم السلام، وقعوا في متاهات فكرية وعقائدية، وبسبب عدم رؤيتهم للحقيقة سلكوا سبيل الموهومات والأساطير، ومن ذلك أنّهم أنكروا الحسن والقبح العقليين، على أيّة حال ففي مقام الجواب عن هذا الإشكال نقول: إنّ المنكرين للحسن والقبح، بالرغم من إنكارهم لهذا باللسان، إلّاأنّهم في مقام العمل يعتقدون بهذه المقولة.
وتوضيح ذلك: لو افترضنا أنّ رجلًا لم يكن معتقداً بأي دين من الأديان الإلهيّة، هجم على بيوت هؤلاء الأشخاص وقتل زوجاتهم وأطفالهم ونهب أموالهم، فلو أنّهم كانوا ينكرون الحسن والقبح واقعاً فلا يحق لهم الاعتراض عليه بأنّك لماذا ترتكب مثل هذه الجرائم القبيحة والمفاسد الذميمة، لأنّ هذا الشخص لا يعتقد بأي دين حتى يلتزم بتعاليم هذا الدين فيما يقرره من أعمال الحسن والقبح، ومن جهة أخرى فإنّ عقله لا يدرك حسن وقبح الأعمال والأفعال، وعليه فلا ينبغي الاعتراض عليه ومؤاخدته وعقوبته.
كما أنّ من يعتقد بمقولة الجبر لا يحق له الاعتراض على ما يصدر من الآخرين من مخالفات ومنكرات، لأنّه يعتقد بأنّ جميع أفراد البشر مجبورن في أعمالهم وسلوكياتهم ولا أحد يملك اختياراً في عمله، بالتالي لا تترتب على عمله مسؤولية