الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٩ - المقسم له المعاد الجسماني
وذهب بعض المفسّرين إلى وجود جملة مقدّرة في هذه الآية الشريفة، أي أنّ الآية المذكورة تعتبر قرينة على وجود جملة محذوفة، وهذه الجملة كالتالي:
(لتبعثنّ جميعاً يوم القيامة)
والآية مورد البحث تشبه الآيات الأخيرة من سورة يس، فطبقاً لما ورد في تلك الآيات وسبب نزولها، أنّ رجلًا من أعراب البادية جاء إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وبيده عظم ويقول:
«لَاخْصِمَنَّ مُحَمَّداً»
أي أنني وجدت دليلًا قاطعاً على نفي المعاد الذي يعتقد به نبيّ المسلمين، فجاء للنبي صلى الله عليه و آله بذلك العظم الرميم وأخذ يفته أمام النبي ويلقي بفتاته على الأرض، ثمّ قال للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله: من يقدر على إحياء هذا العظم مرّة ثانية وإعادة هذا الإنسان إلى الحياة؟
فأنزل اللَّه تعالى هذه القصة في الآيات ٧٨ إلى ٨١ من سورة يس وقال:
«وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِّنْهُ تُوقِدُونَ* أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ».
وهكذا تنطلق الآيات القرآنية للردّ على استدلال ذلك الأعرابي بشكل دقيق ومن موقع الاقناع العقلي والوجداني، وتقول: إنّ الخلق الأوّل للإنسان يعتبر أصعب وأعقد من إعادته مرّة ثانية، ومع ذلك فإنّ اللَّه تعالى خلق هذا الإنسان في أوّل مرّة ولا صعوبة في إعادته إلى الحياة مرّة اخرى، فالشخص الذي يخترع جهازاً معيّناً، ألّا يستطيع من إعادته مرّة اخرى بعد خرابه وتحطمه؟
إنّ مثل هذه الآيات التي تدلُّ على المعاد الجسماني، رغم أنّها كانت تبحث في قضية واضحة في ذلك العصر، ولكن هذه القضية وبعد التطورات التي شهدها العلم البشري في عملية الاستنساخ أضحت أكثر وضوحاً وبداهةً، فبدن الإنسان يتكون