الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٦ - أوّل سورة نزلت على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله!
وذلك عندما نزل رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من غار حراء وكان قد لفّ نفسه بمِئزر وأخذ قسطاً من الراحة، فنزلت سورة المدثر عليه: «يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ». أي ليس هذا وقت الاستراحة، قم من مكانك وبلّغ الناس الرسالة الإلهيّة وادعهم إلى طريق الحق.
ونعتقد بأنّ أول سورة نزلت في بداية البعثة على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، هي سورة العلق وبنزول هذه السورة تمّ إرسال النبي للناس واختياره للنبوة وإبلاغ الرسالة الإلهيّة، ولكنّ مأمورية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كانت في البداية سرية، وقد استغرقت الدعوة السرية ثلاث سنوات، وبعد هذه السنوات الثلاث من العمل السري أمره اللَّه تعالى بواسطة آيات سورة المدثر بالانتقال إلى مرحلة جديدة من تبليغ الإسلام، وبذلك تحوّلت الدعوة السرية إلى العلنية بنزول هذه الآيات المذكورة، وفي ضوء ذلك فإنّ بداية الدعوة السرية وبداية النبوة والبعثة بدأت من نزول سورة العلق، أمّا إعلان الدعوة والانتقال إلى المرحلة العلنية فقد بدأ من نزول آيات سورة المدثر.
والدليل على ذلك أنّ سورة المدثر تتضمن قصة مراجعة المشركين للوليد بن المغيرة الرجل السياسي والحكيم في الجاهلية، وقد ذهبوا إليه وأخبروه عن دعوة نبي الإسلام صلى الله عليه و آله وأنّ عدداً من الناس قد آمن به واعتنق دعوته، وطلبوا منه أن يعلّمهم طريقة صحيحة ومؤثرة للتصدي لنبي الإسلام صلى الله عليه و آله ومواجهة دعوته، فطلب منهم الوليد مهلة ليفكّر في هذا الموضوع، وبعد مدّة جاءوا إليه فقال في جوابهم:
«إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ* إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ» [١].
وهكذا اقترح عليهم الوليد بأن ينسبوا القرآن الكريم إلى السحر وأنّ نبي الإسلام صلى الله عليه و آله ساحر، أي أنّ القرآن الذي يملك كل هذه الجاذبية بحيث تهفو إليه قلوب الناس وتنجذب إليه، فإنّ ذلك ناشيء من السحر، ومعلوم أنّه لا دوام ولا ثبات للسحر.
[١]. سورة المدّثر، الآيتان ٢٤ و ٢٥.