الأقسام القرآنية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٤ - فلسفة أعمال الحج
الحقيقة أنّ آثار ومعطيات الحج عظيمة وعجيبة، ولكن للأسف هناك ما يشغل الإنسان الحاج في غير هذا الشأن ويشكل له كابوساً ثقيلًا، وهو ما يسمى ب «الهدايا» التي يشتريها الحاج إلى أهله وأرحامه في وطنه، أو ينشغل بشراء البضائع التي يبيعها بسعرٍ أعلى في وطنه فمثل هذا الكابوس لا يكاد يفارق أذهان بعض الحجاج ويستولي على تفكيرهم، ولذلك يهتمون بالتوجه إلى المحلات التجارية والأسواق المتنوعة لشراء ما لا يجدونه في وطنهم وبلادهم، فيجب إصلاح هذا الخلل حتى لا يقضي هذا المرض المهلك على المكتسبات المعنوية والمعطيات الأخلاقية للحج.
ويصف الإمام علي عليه السلام في الخطبة القاصعة، الفلسفة الأخلاقية للحج توصيفاً رائعاً ويبيّن عمق هذا البعد الأخلاقي في هذه المناسك الإلهيّة بوصفها دواء لعلاج مرض الكبر والغرور في نفس الإنسان، ويقول:
«ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَوَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ. تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الْأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَارٍ سَحِيقَةٍ وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ، وَجَزَائِرِ بِحَارٍ مُنْقَطِعَةٍ، حتّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلًا يُهَلِّلُونَ لِلَّهِ حَوْلَهُ. وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ. قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ، ابْتِلَاءً عَظِيماً وَامْتِحَاناً شَدِيداً وَاخْتِبَاراً مُبِيناً. وَتَمْحِيصاً بَلِيغاً جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ» [١].
٢. الغاية السياسية
فلو أنّ المسلمين يتحدون في مواقعهم واطروحاتهم وأهدافهم ويضعون أيديهم بأيدي إخوانهم، ويتخذون قرارات مشتركة ويوحدون مسيرتهم في حركة الحياة
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.