فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٨١ - المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي آية اللّه الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
والإجماع القطعي ـ ولا ركون لهم في شيء من ذلك إلى الظنون . فإنّ الاجتهاد عندنا إنّما هو استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلّتها ، وإنّ لكل واقعة حكماً شرعياً مجعولاً يكون المجتهد دائماً بصدد الوصول إليه ، سواء وصل إليه أم لا .
وإن شئت قلت :قد ثبت بالأدلّة أنّ لكل واقعة حكماً في الشريعة الإسلامية علمنا به أو لم نعلم ، وهذه الأحكام الواقعية كانت مودعة عند رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) وبعده عند أوصيائه المعصومين (عليهم السلام) ، فالحوادث الواقعة لا تخلو من الأحكام الواقعية، إلاّ أنّنا إذا لم نظفر بحكم واقعي نظفر بحكم ظاهري قطعاً ؛ لما قد ثبت عندنا من أنّ الفقيه إمّا يعلم الحكم الواقعي أو يظن به ظناً معتبراً دلّت الأدلّة القطعية على اعتباره ـ أي الأمارات ـ أو يشك ، وعند الشك يرجع إلى أحد الاُصول العملية المعتبرة ـ أي البراءة والاستصحاب والتخيير والاحتياط ـ وهذه الاُصول حاصرة لموارد الشك طرّاً لا يشذّ منها شاذّ ، فإذن لا فراغ قانوني في الشريعة لا واقعاً ولا ظاهراً ، ووظيفة المجتهد هي عملية اكتشاف وتشخيص الحكم الموجود في الشريعة . هذا هو الاجتهاد لدى الشيعة الإمامية .
أما الاجتهاد لدى أهل السنة فإنّه مباين لما عندنا ؛ وذلك لاعتمادهم في الإفتاء في مثل هذه المسائل على القياس الظني والاستحسان والمصالح المرسلة وسدّ الذرائع بما لها من معانٍ عندهم ، ولا ينحصر الاجتهاد ـ حسب مبانيهم ـ في حدود النصوص ، ويمكن القول إنّ الاجتهاد عندهم في الجملة على أقسام ثلاثة :
أولها :وهو المسمّى عندهم بالاجتهاد البياني الذي هو نحو ما ذكرنا آنفاً من استنباط الحكم الشرعي من النصوص .
ثانيها :تشريع الحكم وجعله في ما لا نصّ فيه ، فإنّ المجتهد هنا يُعمل رأيه الخاص وفهمه في تشخيص الحكم الشرعي إما على أساس القياس الظني أو على أساس مبدأ الاستحسان أو على أساس مبدأ المصالح المرسلة أو على أساس مبدأ سدّ الذرائع ، كما هو مشروح عندهم ، ويكون هذا الحكم المجعول من قبل المجتهد بمنزلة حكم اللّه تعالى ، وذلك بمقتضى قولهم بالتصويب .