فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٣٢ - بحث حول الصابئة ولي أمر المسلمين آية اللّه السيّد علي الخامنئي
الحسنى والصفات العليا ، ونسبة كلّ شيء إليه وإلى إرادته ، وما إلى ذلك ، وهم يدّعون أنّ الكتاب المشتمل على ذلك هو كتاب يحيى ـ على نبيّنا وعليه السلام ـ الذي يعتبرونه آخر أنبياء اللّه تعالى ، أو كتاب شيث وصحف آدم ، أو كتاب إدريس ـ على نبيّنا وعليهم السلام ـ بحسب اختلاف ما ينقل عنهم . فبناءً على ما رجّحناه سابقاً من تصديق أصحاب الملل والنحل في ما يبدونه من عقائدهم وكون ذلك حجّة على غيرهم بحسب البناء العقلائي غير المردوع عنه شرعاً ، لا يبقى مجال لإنكار صحّة هذا الدين في أصله وأنّه منسوبٌ إلى أحد أنبياء اللّه (عليهم السلام) .
ثمّ إنّه لمّا كان أصل نزول كتاب على يحيى وآدم (عليهما السلام) مسلّماً نطق به القرآن الكريم ـ كما سنذكره ـ فنسبة كتاب الصابئين إلى أحدهما إمّا أن تكون صادقة أو خاطئة ، فعلى الأوّل يكون هؤلاء أهل كتاب بلا ريب ، وعلى الثاني يكون ممّن بيدهم شبهة كتاب كالمجوس ـ على ما بيّنّاه في معنى هذا العنوان ـ فكونهم ممّن يقرّ على دينهم كاليهود والنصارى والمجوس أمر لا محيص من الالتزام به .
وأمّا نزول الكتاب على يحيى (عليه السلام) فهو وإن كان الظاهر من قوله تعالى : {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ...} (٣٩)، لكن لو نوقش في دلالته ـ بأنّ المراد بالكتاب فيه هو التوراة بدلالة لام العهد ، فلا يدلّ على كون يحيى صاحب كتاب آخر حتى يحتمل كونه هو الذي بيد الصابئة ، وليس هذا الذي يدّعونه كتاب يحيى هو التوراة حتى يحكم بكونهم من أهل التوراة ، فلا شيء هناك يصحّح لهم عنوان « أهل الكتاب » أو أهل شبهة كتاب ـ لقلنا في الجواب أولاً :يكفي في إثبات الكتاب ليحيى (عليه السلام) آيات سورة الأنعام ، حيث يقول تعالى بعد ذكر عدّة من الأنبياء منهم زكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط وغيرهم وذكرِ اجتبائهم وهدايتهم من عند اللّه تعالى : {اُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} (٤٠)، والظاهر من الآية بلا ريب أنّ كلاًّ من هؤلاء المذكورين اُوتي كتاباً مستقلاًّ غير ما اُوتي الآخرون بقرينة الحكم والنبوّة ، وبعيد غاية البعد أن يحمل الكتاب في الآية على كتاب خاصّ أو كتابين وهما التوراة والإنجيل ، كما أنّ من البعيد جدّاً أن يكون المراد بإيتاء الكتاب لنبيّ من الأنبياء إلزامه بالعمل بكتاب نزل على
(٣٩) مريم : ١٢.
(٤٠) الأنعام :٨٩.