فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٦٣
وذلك خلال مدّة طويلة .
ثمّ اختلف من بعد أبيه (رحمه الله) إلى أكابر المشايخ بقم يسمع منهم على حداثة سنّه ، فحاز إجازة الحديث والرواية عنهم .
ولمّا اشتدّ من العلم كاهله وصفت له مناهله وبلغ مبالغ العلماء العظام استقلّ بالتدريس ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن ، حتى تناهى صيته إلى كلّ بلاد الإسلام واُمرائها ، فدعوه إلى بلادهم ، للإفادة من محضره والاستنارة بوهج علمه ، فلبّى نداء المسؤولية ، ويمّم وجهه إلى الري حيث كانت محطّته الاُولى في سلسلة أسفاره وتطوافه في البلاد المختلفة .
وقد كانت هجرة الشيخ الصدوق (رحمه الله) من وطنه الاُمّ بقم بمثابة مرحلة جديدة في حياته ، انفتح من خلالها على حواضر العلم ومراكز الإشعاع الاُخرى في العالم الإسلامي ، لتبادل السماع والأسماع مع محدّثيها وأئمّة العلم فيها .
وبعد أن استقرّ به المقام في بلاد الري ـ التي كانت تعتبر جامعة علمية تزخر بالعلم وروّاد المعرفة ـ انطلق بعد ذلك إلى بلاد اُخرى ، فعرفته حواضرها وعلماؤها بالفضل والتقدّم من خلال ما سطّرته يراعته من مؤلّفات ناهزت الثلاثمئة كتاب (٧)ومن خلال مواقفه ومناظراته في أندية العلم دفاعاً عن المبدأ والحقيقة ، فذاع لذلك صيته وتألّق نجمه في الأوساط العلمية والاجتماعية ، وألقت إليه الاُمّة أمر زمامها ورجعت إليه من مختلف الأصقاع تسأله في قضاياها ، فكان وجه الطائفة وزعيمها في المئة الرابعة من بعد أبيه ، إلى أن التحق بالرفيق الأعلى بعد أن أدّى ما افترض عليه تجاه اُمّته ومجتمعه .
وهكذا كان الشيخ الصدوق إبّان حياته جامعة سيّارة بعلمها المتدفّق ، وكذلك بقي بعد رحيله جامعة عكفت على الدرس في أروقتها الأجيال ، وما فتئت يرتوي من معينها الأعيان والأبدال . فخلّد لنفسه في الدنيا ـ قبل غيره ـ ذكراً جميلاً ومجداً شامخاً ومقاماً رفيعاً ، وفي الآخرة مزيداً .
(٧)الفهرست للشيخ الطوسي : ١٥٧.