كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٤ - باب الأسد و الثور
يوم سمكتين حتى ينتهي بهما إلى بعض التّلال فيأكلهما، حتى إذا كان ذات يوم جاء لأخذ السمكتين فجاء السرطان فقال له: إني أيضا قد أشفقت [١] من مكاني هذا و استوحشت منه فاذهب بي إلى ذلك الغدير فاحتمله و طار به حتى إذا دنا من التّلّ الذي كان يأكل السمك فيه نظر السرطان فرأى عظام السمك مجموعة هناك، فعلم أنّ العلجوم هو صاحبها و أنه يريد به مثل ذلك، فقال في نفسه: إذا لقي الرّجل عدوّه في المواطن التي يعلم أنه فيها هالك سواء قاتل أم لم يقاتل كان حقيقا أن يقاتل عن نفسه كرما و حفاظا [٢] ثم أهوى بكلبتيه على عنق العلجوم فعصره فمات و تخلّص السرطان إلى جماعة السمك فأخبرهنّ بذلك.
و إنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّ بعض الحيلة مهلكة للمحتال، و لكنّي أدلّك على أمر إن أنت قدرت عليه كان فيه هلاك الأسود من غير أن تهلك به نفسك و تكون فيه سلامتك، قال الغراب: و ما ذاك؟قال ابن آوى: تنطلق فتبصر في طيرانك لعلّك أن تظفر بشيء من حليّ النساء فتخطفه و لا تزال طائرا واقعا بحيث لا تفوت العيون، حتى تأتي جحر الأسود فترمي بالحليّ عنده، فإذا رأى الناس ذلك أخذوا حليّهم و أراحوك من الأسود. فانطلق الغراب محلّقا [٣] في السّماء فوجد امرأة من بنات العظماء فوق سطح تغتسل و قد وضعت ثيابها و حليّها ناحية فانقضّ [٤] و اختطف من حليّها عقدا و طار به، فتبعه الناس و لم يزل طائرا واقعا بحيث يراه كلّ أحد حتى انتهى إلى جحر الأسود فألقى العقد عليه و الناس ينظرون إليه، فلمّا أتوه أخذوا العقد و قتلوا الأسود.
و إنّما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنّ الحيلة تجزئ [٥] ما لا تجزئ القوّة،
[١] أشفقت: خفت.
[٢] حفاظا: محافظة. أهوى بكلبتيه: أخذ بهما.
[٣] محلقا: مرتفعا.
[٤] انقض: وثب.
[٥] تجزئ: تغني و تكفي.