كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٩٣ - باب الأسد و الثور
ذلك من الغراب و أحزنه، فشكا ذلك إلى صديق له من بنات آوى و قال له: أريد مشاورتك في أمر قد عزمت عليه، قال له: و ما هو؟قال الغراب: قد عزمت أن أذهب إلى الأسود إذا نام فأنقر عينيه فأفقأهما لعلّي أستريح منه، قال ابن آوى: بئس الحيلة التي احتلت فالتمس أمرا تصيب فيه بغيتك من الأسود من غير أن تغرّر بنفسك [١] و تخاطر بها، و إيّاك أن يكون مثلك مثل العلجوم [٢] الذي أراد قتل السرطان فقتل نفسه، قال الغراب: و كيف كان ذلك؟
قال ابن آوى: زعموا أنّ علجوما عشّش في أجمة كثيرة السّمك فعاش بها ما عاش ثمّ هرم [٣] فلم يستطع صيدا فأصابه جوع و جهد شديد، فجلس حزينا يلتمس الحيلة في أمره فمرّ به سرطان فرأى حالته و ما هو عليه من الكآبة و الحزن، فدنا منه و قال: ما لي أراك أيّها الطائر هكذا حزينا كئيبا؟قال العلجوم: و كيف لا أحزن و قد كنت أعيش من صيد ما هاهنا من السّمك، و إنّي قد رأيت اليوم صيّادين قد مرّا بهذا المكان، فقال أحدهما لصاحبه: إنّ هاهنا سمكا كثيرا أ فلا نصيده أوّلا أوّلا، فقال الآخر: إني قد رأيت في مكان كذا سمكا أكثر من هذا فلنبدأ بذلك فإذا فرغنا منه جئنا إلى هذا فأفنيناه، و قد علمت أنهما إذا فرغا ممّا ثمّ [٤] انتهيا إلى هذه الأجمة فاصطادا ما فيها، فإذا كان ذلك فهو هلاكي و نفاد مدّتي، فانطلق السّرطان من ساعته إلى جماعة السّمك فأخبرهنّ بذلك، فأقبلن إلى العلجوم فاستشرنه و قلن له إنّا أتيناك لتشير علينا فإنّ ذا العقل لا يدع مشاورة عدوّه، قال العلجوم:
أما مكابرة الصّيّادين فلا طاقة لي بها و لا أعلم حيلة إلاّ المصير إلى غدير قريب من هاهنا فيه سمك و مياه عظيمة و قصب، فإن استطعتنّ الانتقال إليه كان فيه صلاحكنّ و خصبكنّ، فقلن له: ما يمنّ علينا بذلك غيرك، فجعل العلجوم يحمل في كلّ
[١] أي تعرضها للهلكة.
[٢] العلجوم: طائر.
[٣] الهرم: كبر السن.
[٤] ثم: هناك.