كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٨٨ - باب الأسد و الثور
التّأخّر عنه و تركك لقاءه، و إن أنت تأخّرت عنه و أحجمت [١] أن أعجّل الرجعة إليه فأخبره، قال له شتربة: و من هو هذا الأسد الذي أرسلك إليّ و أين هو و ما حاله؟قال دمنة: هو ملك السّباع و هو بمكان كذا و كذا و معه جند كثير من جنسه، فرعب شتربة من ذكر الأسد و السّباع، و قال: إن أنت جعلت لي الأمان على نفسي أقبلت معك إليه، فأعطاه دمنة من الأمان ما وثق به ثمّ أقبل و الثّور معه حتى دخلا على الأسد فأحسن إلى الثّور و قرّبه و قال له: متى قدمت هذه البلاد و ما أقدمكها [٢] ، فقصّ عليه قصّته، فقال له الأسد: اصحبني و الزمني فإنّي مكرمك، فدعا له الثّور و أثنى عليه. ثمّ إنّ الأسد قرّبه و أكرمه و أنس به و ائتمنه على أسراره و شاوره في أمره و لم تزده الأيّام إلاّ عجبا به [٣] و رغبة فيه و تقريبا له حتى صار أخصّ أصحابه عنده منزلة.
فلمّا رأى دمنة أنّ الثّور قد اختصّ بالأسد دونه و دون أصحابه و أنه قد صار صاحب رأيه و خلواته و لهوه، حسده حسدا عظيما و بلغ منه غيظه كلّ مبلغ، فشكا ذلك إلى أخيه كليلة و قال له: أ لا تعجب يا أخي من عجز رأيي و صنعي بنفسي و نظري فيما ينفع الأسد و أغفلت نفع نفسي حتى جلبت إلى الأسد ثورا غلبني على منزلتي، قال كليلة: قد أصابك ما أصاب النّاسك. قال دمنة: و كيف كان ذلك.
قال كليلة: زعموا أنّ ناسكا أصاب [٤] من بعض الملوك كسوة فاخرة فبصر به سارق فطمع في الثياب فأتى النّاسك و قال له: إني أريد أن أصحبك فأتعلّم منك و آخذ عنك، فأذن له النّاسك في صحبته فصحبه متشبّها به و رفق [٥] له في خدمته، حتى إذا ظفر به أخذ تلك الثياب فذهب بها، فلمّا فقد النّاسك ثيابه علم أنّ صاحبه
[١] أحجمت: تأخرت.
[٢] أقدمكها: جعلك تقدمها.
[٣] عجبا: استحسانا.
[٤] أصاب: نال.
[٥] رفق: لان و لطف.