كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٧١ - ترجمة بزرجمهر بن البختكان
رفضت أعمالا كنت أرجو عائدتها و قد كنت أعملها فأنتفع بها في الدّنيا، فيكون مثلي في ذلك مثل الكلب الذي مرّ بنهر و في فيه ضلع [١] فرأى ظلّها في الماء فأهوى [٢] ليأخذها فأتلف ما كان معه، و لم يجد في الماء شيئا. فهبت النّسك مهابة شديدة و خفت من الضّجر و قلة الصبر و أردت الثّبوت على حالتي التي كنت عليها، ثمّ بدا لي أن أقيس ما أخاف أن لا أصبر عليه من الأذى و الضّيق و الخشونة في النّسك و ما يصيب صاحب الدّنيا من البلاء، و كان عندي أنه ليس شيء من شهوات الدّنيا و لذّاتها إلاّ و هو متحوّل إلى الأذى و مولّد للحزن، فالدّنيا كالماء الملح الذي لا يزداد شاربه شربا إلاّ ازداد عطشا، و هي كالعظم الذي يصيبه [٣] الكلب فيه فيجد ريح اللّحم فلا يزال يطلب ذلك اللحم حتى يدمي فاه [٤] ، و كالحدأة [٥] التي تظفر بقطعة من اللّحم فيجتمع عليها الطّير فلا تزال تدور و تدأب [٦] حتى تعيي فإذا تعبت ألقت ما معها، و كالكوز من العسل الذي في أسفله السمّ الذي يداف [٧] فيه حلاوة عاجلة و آخره موت زعاف [٨] ، و كالبرق الذي يضيء يسيرا فيطمع بالنّور ثمّ يذهب بغتة و يرجع الظّلام فلمّا فكّرت في هذه الأمور رجعت إلى طلب النّسك و هزّني الاشتياق إليه ثم خاصمت نفسي إذ هي في شرورها سارحة و قد لا تثبت على أمر تعزم عليه كقاض سمع من خصم فحكم له، فلمّا حضر الخصم الثاني عاد إلى الأوّل فقضى عليه، ثمّ نظرت في الذي أكابده من احتمال النّسك و ضيقه فقلت ما أصغر هذه المشقّة في جانب روح [٩] الأبد و راحته، ثمّ نظرت فيما تشره إليه النفس من لذّة الدّنيا فقلت ما أمرّ هذا
[١] الضلع: بفتح اللام و سكونها لغة عظام الجنبين.
[٢] أهوى الى الشيء بيده: مدها ليأخذه اذا كان عن قرب فإن كان عن بعد قيل هوى اليه بغير ألف.
[٣] يصيبه: يجده.
[٤] فاه: فمه.
[٥] الحدأة: بوزن عنبة، طائر.
[٦] دأب في عمله: جد.
[٧] يداف: من داف زيد الشيء دوفا اذا بله بماء أو غيره فهو مدوف أي مخلوط ممزوج. و في بعض النسخ يذاق.
[٨] زعاف: قاتل.
[٩] الروح: بفتح الراء الراحة.