كليلة و دمنة - ابن المقفع - الصفحة ٦٥ - ترجمة بزرجمهر بن البختكان
متعادية متغالبة تعقدها الحياة و الحياة إلى نفاد كالصنم المفصّلة أعضاؤه إذا ركّبت و وضعت يجمعها مسمار واحد يشد بعضه بعضا فإذا أخذ ذلك المسمار تساقطت تلك الأوصال، يا نفس لا تغترّي بصحبة أحبّائك و أصحابك و لا تحرصي على ذلك كلّ الحرص فإنّ صحبتهم على ما فيها من السّرور كثيرة المئونة و عاقبة ذلك الفراق، و مثلها مثل المغرفة التي تستعمل في جدّتها لسخونة المرق، فإذا انكسرت صارت وقودا، يا نفس لا يحملنّك أهلك و أقاربك على جمع ما تهلكين فيه إرادة صلتهم فإذا أنت كالدّخنة الأرجة [١] التي تحترق و يذهب آخرون بريحها، يا نفس لا تركني إلى هذه الدّار الفانية و لا تغترّي بها طمعا في البقاء و المنزلة التي ينظر إليها أهلها، فكأيّ [٢] ممن لا يبصر صغر ما يستعظم و حقارته حتى يفارقه كشعر الرّأس الذي يخدمه صاحبه و يكرمه ما دام على رأسه فإذا فارق رأسه استقذره و رفضه، يا نفس لا تملّي من عيادة [٣] المرضى و مداواتهم و اعتبري كيف يجهد الرّجل أن يفرّج عن مضيم واحد كربة واحدة، و يستنقذه منها رجاء الأجر، فكيف بالطّبيب الذي يفعل كثيرا من ذلك مع كثيرين، إن هذا لخليق أن يعظم رجاؤه و يوثق له بحسن الثّواب، يا نفس لا يبعد عنك أمر الآخرة فتميلي إلى العاجلة في استعجال القليل و بيع الكثير باليسير... كالتّاجر الذي كان له ملء بيت من الصّندل [٤] فقال إن بعته وزنا طال عليّ فباعه جزافا [٥] بأبخس الثّمن، و قد وجدت آراء النّاس مختلفة و أهواءهم متباينة [٦] و كلّ على كلّ رادّ... و له عدوّ و مغتاب و لقوله مخالف.
فلمّا رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلا و عرفت أني إن صدّقت أحدا منهم لا علم لي بحاله كنت في ذلك كالمصدّق المخدوع الذي زعموا في شأنه
[١] الدخنة دريرة تدخن بها البيوت. و الأرجة: ذات الرائحة الطيبة الزكية.
[٢] فكأي: أي فكم..
[٣] عيادة: زيارة المريض.
[٤] الصندل: حب طيب الرائحة.
[٥] الجزاف: بيع الشيء لا يعلم كيله و لا وزنه.
[٦] متباينة: متباعدة.